يعتبر التطور والتجديد من سنن الحياة، فالزمن لا يتوقف وإنما يتقدم بشكل متصاعد، وسقف المعرفة الإنسانية في تطور رهيب مع تقدم الزمان، والإسلام عند ظهوره في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، جاء بملامح النهضة والحضارة، والثورة على الموروث الجاهلي، والناظر إلى مسار تطور المسلمين منذ بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، يرى أنه في ارتفاع وتصاعد ويتمثل هذا في الفتوحات الإسلامية، ونشر الأفكار الحضارية، وهو ما ظهر في بلاد الأندلس، حيث استمرت الحضارة الإسلامية هناك لمدة ثمانية قرون، وهو ما يعادل المدة التي عايشتها الحضارتين اليونانية والرومانية، لكن ولأسباب متعددة -ليس هذا مقام ذكرها- سقطت الحضارة الإسلامية، وتراجعت عن مركزها الريادي عالميًّا، وهذا يحيلنا للبحث عن عوامل النهضة من خلال سؤال التجديد.

مصطلح التجديد هو من المصطلحات الإسلامية، ذات أصل عربي استعملت في القرآن والسنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :(إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)، وقد ورد في القرآن لفظ «جديد» في قول الله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} ، ويتضح من خلال هذه الآية أن تجديد الخلق هو بعثه وإحياؤه، فكلمة التجديد من خلال القرآن والسنة ولغة العرب تدل على معاني الإحياء والبعث والإعادة.

إننا عندما ننظر إلى كرونولوجيا التاريخ الإسلامي نرصد تراكمات عديدة في الفهم البشري الخاطئ للدين، الذين كان من بين العوامل التي ساهمت في تخلفنا اليوم، فالذي يجدد إذا هو التدين لا الدين، الوسائل لا الغايات والكليات الكبرى، فمن بين خصائص التجديد تنقية الدين من الانحرافات والبدع سواء كانت هذه الانحرافات ناتجة عن عوامل داخلية أو خارجية، فالتجديد ليس نقيضًا لاكتمال الدين. وثباته، بل إنه السبيل لامتداد تأثيره، وبقائه صالحًا لكل زمان ومكان، وفي هذا يقول الدكتور محمد عمارة: [التجديد سنة وقانون من سنن الله وقوانينه في الأكوان والمجتمعات لا تناقض بينهما وبين اكتمال الإسلام وثبات أصوله].

إن لفظ التجديد أخذ أبعادًا متعددة، فقد وظفه البعض معولًا لهدم الدين، والقطيعة مع التراث جملة وتفصيلًا في ما يخدم دعاة التغريب، لذلك من الضروري تحقيق معاني هذه الألفاظ لكي لا يتم استغلالها بشكل خاطئ بعيدًا عن مقاصد الإسلام وغاياته الكبرى، فالدعوة الحقة حين تدعو إلى التجديد لا تفصله عن القديم، ولا تعزله عن الماضي، بل تجعل من الماضي سبيلًا إلى الجديد ومن التطور رابطة بين القديم والجديد.

هذا يؤدي إلى أن التجديد قانون طبيعي وثابت، بدونه سنسقط في مستنقعات التدهور والانحطاط، لأن الزمن في تطور مستمر والحياة تسير في حركة دائمة، فالكنيسة وسلطتها المطلقة في العصور الوسطى في أوروبا، لم تستطع إيقاف عجلة التاريخ وعملية التقدم، وذالك أن منطق التاريخ يقتضي التطور في الوسائل والأفكار وهذا ما كان ضده الدين الكنسي المحرف الذي قام بممارسة الوصاية المطلقة على العقول والأفكار.

فالفرق بين العقل التجديدي والعقل الجامد، هو أن الأول يسعى إلى التقدم ورخاء الإنسان وتطوره، بينما الثاني يرى في هذا التقدم كشفًا لأزمته وتخلفه.

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يجددون باستمرار، ومن صور هذا التجديد عندهم: أنهم طوروا مناهج في تدبير الأموال، وتسيير الجيوش، وإدارة المؤسسات والأقاليم، وكذلك ما قام به الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه من جمع القرآن في مصحف واحد بعد اختلاط العجم بالعرب وتعدد القراءات وكثرة اللهجات.

إن خاصية الشمول والعالمية التي يتميز بها دين الإسلام، والتي دل عليها قول الله عز وجل: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، تستلزم علينا التجديد باستمرار وفق ضوابط الشريعة الإسلامية الغراء ومقاصدها الكبرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!