التاريخ مغامرة وألغاز ومرارة. فالمغامرة في الرحلة ذاتها حين تسافر عبر العصور فتعيش ظروفه بتقلباته ووجهاته وتقاليده وتفكر بمعطياته وفكره، أما الألغاز فتتمثل في ندرة المصادر حول حدثٍ ما تبحث عنه أو في تضارب الأقاويل تارةً أخرى ليجد القارئ نفسه يقف بين وجهات نظر متباينة بين تمجيد وتحقير، هزيمة وانتصار, ليس بينها أرض مشتركة ولا تقبل أنصاف الحلول فهناك ما أُخفي عمدًا وهناك ما ضاع مع الزمن.

المرارة تكمن في تكرار الخطأ البسيط ذاته الذي ما يلبث أن يتحول كونه فادحًا عبر السنين فيعيد الهزيمة والتقهقر فيجلب الانسحاب، فلكل جواد كبوة ولكل فارس هفوة وإن لم يستطع أحد أن يتداركها تكن العواقب وخيمة, يدفع ثمنها الشعب من دمه وحريته فخطأ الفارس بدولة يؤدي إلى إهدار جهد من قبله في لمح البصر وليبدأ عهد جديد يدور فيه التاريخ دورته المتقلبة بين تقدم وتأخر.

الحرب بمختلف أنواعها تتضمن الغنائم، والغنائم التي تُجنى أبعد من المكاسب المادية المتمثلة في موارد البلاد الاقتصادية، فالتاريخ أيضًا يُغتنم ويكتبه المنتصر من وجهة نظره هو فتضيع الحقائق الثابتة، وحتى لو كان الكاتب مُنصفًا فلا يزال هناك جزء من الحقيقة ضائع فلا حقيقة مطلقة في كتب التاريخ ولا وجهة نظر كاملة من طرف واحد. فلا بد من توسيع المدارك واستعياب وجهة نظر الطرف الآخر – حتى لو اختلفنا معها – لتتكون شيئًا فشيئًا ملامح صورة أكثر وضوحًا عن ما آلت إليه الأحداث.

الأجيال الناشئة هي أكثر المُتضررين يجلسون في الفصل داخل الحرم المدرسي في يوم مُمل ليدخل الأستاذ في حصة التاريخ – المجني عليه غالبًا – ليبدأ عملية حشو أدمغة طلابه بالتواريخ المطلوبة والمنهج الذي أقرته الوزارة.

  • بادئ ذي بدئ التاريخ برئ من هذه الطريقة التي حولته من عامل مهم في تكوين وعي الطالب ليعرف حضارته وتاريخ بلاده فيدرك موقعه ووجهته، إلى مجرد كلمات جافة يتم حفظها لأجل الامتحان فتقتل الإبداع والتفكير داخل الطالب لتخرجه هشًّا يصدق ما يقال له دون ممانعة، فأحد لم يقل له كيف يبحث بالمصادر وللإنصاف فهذا ليس حال التاريخ فقط ولكن تقريبًا معظم – إن لم يكن كل – المواد في نظام بلادنا الدراسي.
  • ثانيًا
    تدرس بالمنهج الدراسي ما أقرته الدولة عن طريق الوزارة لك لكي تعرفه بوجهة نظرها هي فقط ورؤيتها، وإن نظرنا بنظرة أوسع لوجدنا أن هناك من التزوير والأخطاء ما لا يمكن أن نغض الطرف عنه أو نقول إنه ليس دون قصد. فحين يكتشف الطالب ذلك تتهاوى علاقته بأستاذه ويُهدم سور الثقة وأخطر ما يمر به الطالب في هذه المرحلة العمرية أن تُهدم علاقته بأستاذه أو يصيبها الفتور.على سبيل المثال:

    درسنا في المدرسة بأن أول رئيس لمصر كان جمال عبد الناصر وحين كبرنا وبحثنا وجدنا أنه محمد نجيب وما لبث أن تم الانقلاب عليه حين نادى برجوع الجيش لثكناته وتسليم السلطة للمدنيين، فكانت الاضطرابات في القاهرة وانعدام الأمن كتفجيرات القاهرة الستة التي اعترف البغدادي بها في مذكراته بعد أن أطاح به عبد الناصر بأنها كانت مدبرة لأجل الإطاحة بنجيب وتمكين عبد الناصر، ولم يجرؤ أحد أن يذكر لنا الواقعة على حقيقتها.
    أحداث هامة وفارقة في تاريخ أمتنا لم يتم ذكرها أو التنويه عنها من قريب أو بعيد كاتفاقية «سايكس وبيكو» – سايكس عن بريطانيا وبيكو عن فرنسا – على سبيل المثال التي أنهت الخلافة العثمانية وتقاسم الاستعمار بلادنا كأنها كعكة يختار كل منهم ما يشاء ويرسم خطوطًا وهمية أسماها بالحدود التي ليس لها من وجود في الأصل، فهذه الاتفاقية أعادت رسم المنطقة لتقسمنا إلى دويلات صغيرة ضعيفة لم تستطع معظمها تحقيق شيء يُذكر في التنمية بعد 100 عام، ومن حقق تنمية ملحوظة منهم من على شفا حفرة أو أعتاب حرب لا يعرف أحد متى ستقوم وإلى ماذا ستؤول إليه، ولكن المشهد ينذر بطبول حرب تُدق. وأيضًا من نتائج تلك الاتفاقية أن الدول الاستعمارية زرعت بيننا إسرائيل وأقامت لها دولة وساعدتها دوليًا وعسكريًا واقتصاديًا مُتمثلًا في الدعم الدولي من بريطانيا في وعد بلفور 1917 م وإمداد فرنسا للسلاح فترة ثم تبعتهم من بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، فلا مجال لتجاهل أو طمس التاريخ الذي نعيش في نتائج أحداثه الآن وخضنا معظم حروبنا في العصر الحديث معه.

  • ثالثًا
    نخلص مما سبق ذكره بأن التاريخ أحداث هامة يجب أن تُعرف كما حدثت، فالحقيقة ستظهر عاجلًا أم آجلًا تكشف الماضي وتنير طريق المستقبل. فلا تزوير سيشفع عند الأجيال الناشئة ولا ثقة من بعد ذلك فلو لم تكن الأحداث هامة لم تفكروا في إخفائها عمدًا. لقد راهن من قبل موشيه ديان بأننا شعوب لا تقرأ – وهو محق – فأي دولة لا تكون مستعدة لخطة عسكرية نشرها هو في أحد كتبه؟ وإن كان قد تم إخفاء وتزوير التاريخ كله فهناك جيل ينشأ لا يصدق من روايات أساتذة المدرسة، لا يؤمن بالكتاب الوزاري، لا يسلم عقله لبرنامج بالتلفاز، يبحث عن الحقيقة بمفرده كعدو أسد وراء فريسته دون ملل أو كلل، يبحث في كل العصور علّه يجد ضالته ويهتدي لحقيقة الأحداث ويعرف من المُستفيد ومن المجني عليه. فالأولى بمن يؤرخ أن يذكر الأحداث ولا يصبغها بوجهة نظره، فلا عيب في قول الحقيقة وإن لم تكن تلاقي هوى في أنفسنا وإن اختلفنا على من نؤرخ فها هو جيل يستعد للكتابة من جديد شاء من شاء وأبى من أبى، وإن تكرر نفس الخطأ فستدور الدائرة مما يؤدي إلى اتساع الفجوة مع الشباب ولن تسامحنا الأجيال القادمة كذلك. فما بين سطور التاريخ هناك تاريخٌ آخر لم يخبرنا به أحد ومن لا يقرأ التاريخ محكوم عليه إعادته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد