“قال حذيفة بن اليمان: كان الناس يسألون عن الخير، وكنتُ أسأل عن الشرِ مخافة أن أقع فيه، فقلتُ: يا رسول الله، كُنا في جاهليةٍ وشر حتى أتانا الله بهذا الخير – يقصد الإسلام– فهل بعد هذا الخير من شر؟ فـأجابه الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلم: “نعم، سيقع بعد هذا الخيرِ شر”.. وقد كان!

الكثير من العرب عندما تسألهم كم كتابًا قرأت هذه السنة سيجيبك بالنفي أنه لم يقرأ كتابًا واحدًا حتى، هذا إن لم ينظر إليك نظرة غريبة لسؤالك المُريب فمن يقرأ الكُتب هذه الأيام؟ ومن هُنا نرى أن العالم العربي أُصيب بعلة البعد عن الكُتب والعزوف عن القراءة.

لكن مُشكلة العزوف عن القراءة مشكلة عالمية يعاني منها العالم أجمع، لا مصر أو الدول العربية فقط. حتى أن الدول التي كانت شعوبها مدمنة على القراءة مثل الشعب الإنجليزي والشعب الفرنسي تعاني من هذه المشكلة. ولقد نشرت مجلة (لوبوان) – وهي من أشهر المجلات الفرنسية- تحقيقًا موسعًا عن القراءة تحت عنوان “أنقذوا القراءة”، حيث تحدّث في هذا التحقيق عدد من كبار المفكرين والباحثين عن أزمة القراءة ومظاهر العزوف عنها، وقد أوضحوا في تحقيقهم بأن الكتاب يتعرض منذ سنوات لمنافسة قوية وربما غير متكافئة مع وسائل الاتصال المعرفي مثل التلفزيون وألعاب الفيديو وكل ما يتصل بها من وسائل سمعية وبصرية.وقد أوضح التحقيق بأن شخصًا من كل شخصين في فرنسا يشاهد التلفزيون طيلة ساعات النهار.

وتؤكد التحقيقات والدراسات في أمريكا بأن نسبة الإقبال على القراءة قد قلّت بشكل كبير، كما أن نوعية القراءة أصبحت متدنية، فالروايات المرعبة للكاتب الأمريكي ستيفن كينج هي أكثر الكتب رواجًا في أمريكا، وقس على هذا دولًا أخرى مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.

كذلك قامت مجلة “هافبوست” بالتعاون مع موقع “يو جوف” باستطلاع استهدف ألف مراهق أمريكي وتبين لهم أن 28% منهم لم يقرأوا كتابًا في العام الماضي سوى كتبهم المدرسية!

لماذا نقرأ؟

الإنسان أصبح يعرف أن الكتاب أو الصحيفة أو المجلة ليست مصدر المعرفة الوحيد، فهناك التلفزيون والفيديو والإنترنت وغيرها من الوسائل التي تجمع بين متع متنوعة في نفس الوقت، مثل النظر والسمع والإثارة والراحة والسهولة وأخيرًا الفائدة. فالقراءة كما يقول الباحثون تعد أكثر صعوبة من جميع هذه الوسائل فهي تحتاج إلى التركيز، كما أن الرواية التي يمكن أن تشاهدها في التلفزيون خلال ساعتين يمكن أن تستغرق يومين أو ثلاثة أيام من القراءة الجادة.

لماذا يقرأ الأشخاص وقد توفرت لهم المعلومات والمتعة والتسلية بنفس الوقت في وسائل أخرى أقربها الإنترنت؟ أثارت د/ فاطمة الصايغ هذه النقطة عندما قالت: “سألت طلابي قبل فترة عن المصدر الذي يستقون منه المعلومات، وهم يعدون مشروع التخرج، فأجابوا بأن هذه المعلومات مصدرها الإنترنت الذي هو وسيلة سهلة وجاهزة، حيث لا يتعبون أنفسهم في القراءة، وبضغطة زر يحصلون على المعلومات، بمعنى أن الطلاب الذين من المفروض عليهم القراءة لا يقرأون، ويحضرون الأبحاث عن طريق الإنترنت”.

كذلك يشير بعض الباحثين إلى أن مشكلة العزوف عن القراءة قد يكون سببها الانغماس في الحياة المادية، وانشغال الناس بتدبير أمورهم المعيشية حيث لا يجدون وقتًا كافيًا للمطالعة. ويرى البعض الآخر أن التطور الهائل في صناعة السينما أدى إلى قتل الرغبة في القراءة، والاستعاضة عنها بالمشاهدة الحسية والبصرية والصوتية. وهو ما أصاب القارئ بـ “الكسل الذهني” كما أطلق عليه الكاتب زياد عبد الرحيم. بينما كان لـ “نجيب الشامسي” رأيًا مُغايرًا حيثُ قال إنه: “ربما ما يحدث في المجتمع العربي أدى إلى أن تتولد قناعة لدى المواطنين العرب عامة، وشريحة الشباب خاصة بأن لا دور لهم، وبالتالي يتساءل الشاب العربي: لماذا أقرأ، وحينما لا أمارس ما تعلمته فما الجدوى إذن؟

أطفالُنا.. لماذا لا يقرأون؟

إن مشكلات القراءة لدى الأطفال العرب، تنبع من المجتمع ولا علاقة للأطفال بها، لأن طفلنا العربي كأيّ طفل في العالم قارئ جادّ، فضوليّ، يحب الموضوعات كلّها ويرغب في الاطّلاع عليها، إلا أن واقعنا لا يوفِّر الفرص الكافية للأطفال ليكتسبوا عادة المطالعة ويتّصلوا بالكتاب. لذا أهم ما يجب أن نغرسه في الطفل وحتى الشاب، أن يتعود القراءة، حتى تُصبح لذة ومتعة خاصة.

ويقول الباحث روبرت ويلسون من المركز الطبي لجامعة راش في شيكاغو “دراساتنا تشير إلى أن انخراط الدماغ في مسيرة حياته بأنشطة مرتبطة بالقراءة لهو أمر مهم لصحة الحالة العقلية في أواخر العمر، وبناءً عليه لا يجب مطلقًا أن نستهين بزرع حب القراءة والكتابة في أطفالنا وأنفسنا وحتى آبائنا وأجدادنا”.

نحو مُجتمع قارئ

أمام هذا الأمر الذي تغلغل في مُجتمعنا ألا وهو العزوف عن القراءة وعدم الاهتمام بالكُتب والاعتقاد بعدم جديتها وفائدتها، ظهرت بعض المحاولات للتشجيع على القراءة ومحاولة إعادة غرس حُب القراءة والكُتب في نفوس العامة من جديد، فظهرت مجموعات كبيرة من الشباب على صفحات التواصل الاجتماعي المُختلفة للدعوة إلى الاهتمام بالكُتب وإعادة إحياء شغف القراءة مجددًا.

كذلك كتب العديد من الصحفيين والكُتَّاب عن مشكلة القراءة والعزوف عنها، وحاول الكثيرون التشجيع عليها منهم باحثون بمصر والإمارات وغيرها، وظهرت كُتب للكاتب الراحل أنيس منصور، وبلال فضل، وكَتَب الدكتور مُصطفى محمود العديد من المقالات التي يظهر فيها اهتمامه بالثقافة والعلم اللذين لن يتوفرا لأحد دون القراءة. ومؤخرًا قدم أحمد الشقيري مُقدم برنامج “خواطر” العديد من الحلقات في عدة مواسم مُتفرقة عن نفس الموضوع.

يمكنك مشاهدتها في شكل مُسلسل من هنا.

ولا يغفل عن أحد أهمية القراءة خاصةً في عصرنا هذا ووسط الأحداث التي تتطور يومًا بعد يوم في المنطقة العربية وفي العالم أجمع، فالقراءة وعي، ثقافة، رُقي. وكما قال ألبير كامو “هُناك بعض الأمور التي لا يُمكن أن يكون الإنسان بدونها إنسانًا، السعادة، الحُب، الحرية، العمل، الخُلق”.. والقراءة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد