منذ بداية القرن العشرين وانتقال الحياة بصورةٍ سريعة من حياةٍ ريفية إلى مدنيّة، من مجتمعاتٍ صغيرة قرى أو بلدات، الناس فيها تعرف بعضها البعض إلى مدنٍ كبيرة، تقابل فيها يوميًا مئات الغرباء الذين تضطر للتعامل معهم، تغيرت احتياجات البشر وتغيرت النظرة الاجتماعية ككل، سابقًا كانت الحاجة والرغبة إلى الانعزال والتأمل رغبةً طبيعيةً لا نتلقاها باستهجانٍ أو استغراب، بل كانت أسلوب حياةٍ للبعض، أما في عصرنا المتسارع فأول ما ستوصف به إن احتجت العزلة «هل أنت متوحد؟» لنتعرف بداية عن معنى الانطوائية ونفرق بينها وبين الخجل وكل المصطلحات التي قد تتداخل في معناها.

فمن قال إن نمط الحياة الهادئ والمنعزل ليس الخيار الصحيح؟

علميًا وكما قام علم النفس بتناول الأمر، فحسب عالم النفس كارل يونغ مؤلف مؤشر أنماط مايرز بريجز، فإن كل شخص لديه جانبان من جوانب الشخصية أحدهما منفتح والآخر منعزل ولكلٍ منهما درجة محددة، فالأمر لا يتعلق بمدى الصحة أو الخطأ، إنما بقابليتنا للانفتاح أو الانعزال، تمامًا كما هناك أبيض وأسود، يسار ويمين، وليس كما تلقنّا أنّ الشخصية الانعزالية تنتج بالضرورة عن صعوباتٍ اجتماعية إنّما عن تفضيلٍ اجتماعيٍ مختلف يجعلها تحبّذ العزلة باعتبارها طريقة لإعادة شحن «بطاريتها» وتعبئة طاقتها، فقد لا يكون الشخص الانعزالي خجولًا، فالخجل علة اجتماعية لها حلول وقد ارتبطت بطريقة خاطئة بمفهوم الانطوائية.

 الانعزالي فقط شخصٌ يحبذ نشاطًا اجتماعيًا أقل، المتعة واللذة لديه تنشأ من التواصل العميق، لا يستطيع الاستمرار في علاقات سطحية ذاك لا يلبي لديه أية حاجة، يجد طاقته من داخله، من انسحابه إليها، من مساحته الشخصية التي ربما يفضل فيها قضاء وقته مع أحد أصدقائه القليلين، أو في قراءة كتاب، في التأمل، في مشاهدة فيلم، في الانغماس في موسيقاه الخاصة، وربما في فنجان شاي على الشاطئ أو في الطبيعة، إنه يجد كل ذاك في غاية المتعة كما قد يجد الخروج مع عددٍ كبيرٍ من الأصدقاء والأماكن المزدحمة أمورًا مملة وقد تجبره على أن يكون بشخصية لا تشبهه، فيريح نفسه من كل هذا العبء بأن يمارس الانشطة التي تولد لديه المتعة.

 على العكس من الشخص المنفتح الذي يستمد طاقته ويعيد تعبئة بطاريته من خلال الأنشطة الاجتماعية المفتوحة الألعاب الجماعية مثلا الخروج في نزهة مع مجموعة كبيرة من الأصدقاء، إنه يجد نفسه في التواصل والتفاعل مع الناس وهذا يجعل من كلٍ من الانفتاحين والانعزاليين نمطين مختلفين من البشر، ليس لنمط أفضيلة على الآخر وليس أحدهم صوابًا والآخر خطأً، أما إذا حاولنا ربط نمط الشخصية بقدرتها على الإبداع أو القيادة فالكفة سترجح لصالح الانعزاليين، حيث إن أهم القادة والعلماء امتلكوا هذا النمط من الشخصية بيل غيتس، ألبرت أينشتاين، غاندي، روزا باركس، روزفلت، التاريخ يخبرنا أن العزلة عنصر هام للإبداع ولعل هذا ما جعل التأمل النشاط المشترك الوحيد تقريبًا بين الأنبياء «بدون خلوة لا توجد صحوة».

إذًا لماذا من الشائع جدًا أن نجبر الانعزالي على نمط حياة لا يشبهه؟

لماذا كثيرًا ما صادفنا أمهات قلقات على أبنائهم قليلي النشاط الاجتماعي؟

بالنظر إلى الأسلوب المتبع في المؤسسات الاجتماعية الأكثر الأهمية وحول العالم نجد أن تصميمها مهيئٌ للشخص المنفتح، المدارس، الشركات، الجامعات، كلهم يشجعون الشخصية المنفتحة وينظرون إلى الشخصية الانعزالية على أنها مشكلة فيدعونها للانخراط معهم مرارًا، والمشاركة في كافة نشاطاتهم بل ويؤنبونها في كل مرةٍ تحاول البحث عن مساحة حريةٍ شخصيةٍ صغيرة، وقد يجرونها بالقوة للانخراط كمحاولة المعلمين دائمًا في دمج الأطفال جميعًا في مجموعات العمل دون ترك أي مساحةٍ شخصية للذكاء أو الإبداع الفردي حتى في المواد التي تعتمد على الجهد الشخصي ودون مراعاةٍ لطبيعة شخصية الطفل.

 هذا ما يدعو الكثير من الانعزاليين للإحساس بالذنب لمجرد كون ما يسعدهم ويمتعهم لا يسعد الأغلبية بالضرورة، بل ربما رأوه مثيرًا للملل، وهذا لا يعني أنهم لا يملكون أصدقاء إنما يكتفون بعددٍ محددٍ من الأصدقاء، الأصدقاء الحقيقين، الذين تربطهم بهم علاقات عميقة، وغالبًا تكون علاقات طويلة فهم يتمتعون بإخلاصٍ كبير وتقديرٍ عالٍ للعلاقات، ولربما من حسن حظك أن تحظى بصديق انعزالي حسب رأي المهاتما غاندي «إذا دخلت في علاقة مع شخص انطوائي فلك أن تفخر بذلك، فمثل هؤلاء لا يسمحون لكل من يصادفونه بدخول حياتهم» كما وليس بالضرورة أن يكون أصدقاؤهم انعزاليون بل قد يكونون في غاية الانفتاح، فالانعزال لا يعني أنهم يعانون من نقص في الثقة أو العاطفة الذي يجبرهم على العزلة إنهم فقط مختلفون، ويستحقون التقبل، أن نحترم رغباتهم وأسلوب حياتهم الهادئ والبسيط، فالعالم اليوم بحاجة إلى الانعزال بقدر حاجته تمامًا للانفتاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد