يعتقد الكثيرون أن دراسة التاريخ هي دراسة الماضي. ولكن التاريخ ليس هو الماضي، إنه قاعدة الحاضر. كما أنه انعكاس كليهما على المستقبل. فمن لم يكن له تاريخ، أو نصيب وافر من تجربته البشرية فهو في عناء كبير، وفي جهل فاضح؛ لأنه يبدأ من الطفولة البشرية. أي أنه يبدأ من الصفر.

تعريف التاريخ

يعرّف ابن خلدون التاريخ بأنه فن من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد عن إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق.

ويقول حسين مؤنس أن التاريخ أصبح يمثل: حركة الكون، وحركة الأرض، وحركة الأحياء، والناس على سطح الأرض وما تستتبعه هذه الحركة الدائمة من تغيير دائم، وحيث إن الحركة في تغير مستمر منذ أن بدأ الله سبحانه وتعالى الخلق إلى أن يطوي الأرض وما عليها، فإن التاريخ أيضًا متصل منذ الأزل إلى الأبد، وهو يشمل الماضي والحاضر والمستقبل جميعًا، فكله تاريخ وكله ميدان عمل المؤرخ، وهو نهر الحياة المتدفق الجاري المتجدد دائمًا بما تأتي منابعه وما تأتي به روافده.

انصراف الطالب العربي عن دراسة التاريخ

وما يفسر انصراف الطلاب العرب اليوم عن دراسة التاريخ؛ غياب الوعي بأهمية دراسة التاريخ، والانغماس في الحياة المادية، وانشغالهم بتدبير أمورهم المعيشية، حيث أصبح هم الطلب بعد تخرجه من الدراسة الثانوية؛ التوجه إلى دراسة الطب والهندسة والبرمجة واللغات، من أجل الحصول على وظيفة أو فرصة عمل ملائمة، بالإضافة إلى أن الكثير من الجامعات العربية اليوم تجبر الطالب الضعيف على الدراسة في قسم التاريخ.

أهمية دراسة التاريخ للقادة

إن دراسة التجارب التاريخية جزء من بناء الفكر الإستراتيجي للقادة. فالتاريخ ليس علمًا للمتعة؛ بل هو أداة مهمة لعدد من الأشياء:

فهو أداة من أدوات استخراج النماذج والمقاربات من واقع القائد والمستقبل المتوقع: فما هي قراءاتنا حول المشاكل التي واجهها قادة التغيير والحلول التي جربوها؟ مثلًا ما هي العبرة من تحرك العباسيين ونجاحاتهم؟ وماذا نقرأ في التجربة الألمانية، والفرنسية، والبريطانية، والروسية، والصينية؟ وما هي تجارب الثوار في أمريكا الجنوبية وما العبرة منها؟ إن نظرة واحدة إلى عمليات التحرك لتغيير الواقع في التاريخ تضعنا أمام نماذج لا حصر لها من الممكنات.

وهو أداة للإقناع: فعندما تتحاور مع شخص ما، ثم تستلهم التاريخ لتددل على ما تقول، فأنت تتكلم عن شيء حقيقي، لا عن أوهام أو ظنون.

وهو أداة لرفع الروح المعنوية: أن التاريخ يستخدم كأداة لرفع الروح المعنوية – لو كان المقصود بناء أمة – فلو كان المراد هو بناء الأمة يتم استعراض تاريخ الإنجازات في الفتوحات والتقدم والتوسع الحضاري والتاريخ العلمي وتاريخ الإنجازات التطبيقية في مجالات العلوم وغيرها، وهو ما يسمى بالتاريخ الكبير. وانظر مثلًا في هذا الجانب إلى الطريقة التي يتبعها الغرب في رفع الروح المعنوية عند أتباعه باستخدام التاريخ.

وهو أداة لخفض الروح المعنوية: فهو يستخدم أيضًا لتشويه الأمم وخفض روحها المعنوية – لو كان المقصود هدم أمة – فلو كان المقصود هدم أمة فيتم استعراض تاريخ القصور والصراعات التي كانت على الحكم، وأحوال الملوك ورجال ونساء البلاط وهو ما يسمى بالتاريخ الصغير، ويتم تجاهل التاريخ الكبير تمامًا.

أهمية دراسة التاريخ في السلك السياسي

يقول الكاتب المصري محمد حسنين هيكل: «الاهتمام بالسياسة فكرًا وعملًا، يقتضي قراءة التاريخ أولًا، لأن الذين لا يعلمون ما حدث قبل أن يولدوا، محكوم عليهم أن يظلوا أطفالًا طول عمرهم». لذا فالمعرفة التاريخية ضرورية لرجال السياسة، فهي التي تضمن لهم نجاحهم في اعمالهم لأنها تزودهم بخلفيات ومواقف الأمم التي يتعاملون معها. وهنا ينتقد راوس نفيل هندرسون، الذي كان سفيرًا لبريطانيا في برلين من سنة 1937 – 1939، وذلك لجهله بطبيعة الشعب الألماني والتطورات الجارية في المانيا الهتلرية، ولو أنه قام ببعض المطالعات القصيرة المنظمة لتاريخ ألمانيا الحديث، لوقف على تلك التطورات ونجا من فريسة الحيرة والخديعة تلقاء سير الأحداث في ألمانيا.

والتاريخ يساعد أيضًا على تكوين حوافز وقيم لدى الناشئة من أبناء الوطن، بما يبثه فيهم من توعية قومية تجعلهم يحيطون إحاطة تامة بتاريخ امتهم ويعتزون بتراثها الحضاري والإنساني، ويستخدم التاريخ إذا ما احسنت دراسته وتدريسه أداة لتعليق وترسيخ الوحدة الوطنية بما يحتويه من أمثلة، كما يمكن أن يعد وسيلة للنضال ضد القوى المعادية للأمّة.

طريقة الغرب في دراسة التاريخ

تقول زيغرد هونكيه في كتابها المشهور «شمس الله تشرق على الغرب»: «من يتصفح 100 كتاب تاريخ لا يجد اسمًا لذلك الشعب (العرب) في 98 منها. وحتى اليوم فإن تاريخ العالم لا يبدأ بالنسبة للإنسان الغربي وتلميذ المدرسة إلا بمصر القديمة وبابل بدءًا خاطفًا سريعًا! ثم يتوسع ويتشعب في بلاد الإغريق وروما! ثم مارًا مرورًا سريعًا ببيزنطة! منتقلًا إلى القرون الوسطى المسيحية لينتهي منها آخر الأمر بالعصور الحديثة».

إن تقزيم دور الحضارات المشرقية في زاوية صغيرة من كتاب التاريخ – عند صناعة العقل الأوربي – والتضخيم لفترتي اليونان والرومان وإنجازاتهما يغرس في الشعور والعقول أن إنجازات الإغريق والرومان هي أم التراث الإنساني. وهذا من قبيل البعث النفسي للشعوب الأوروبية.

وبذلك أسقط الأوروبيون الحضارات القديمة بضربة فنية، وأسقطوا الحضارة الإسلامية التي امتدت 10 قرون متواصلة بضربة فنية أخرى، وجعلوا تاريخ العالم يبدو خطًا غير منقطع للتاريخ الأوروبي، فيعيدون بذلك تشكيل عقلية الطالب الأوروبي لاستقبال هذه المعلومة، وعندها لا يتبقى في عقليته إلا عظمة اليونان والرومان، واتصال ذلك بعظمة أوروبا الحالية ويسقط ما بينها من فجوات أو تساؤلات.

الاستفادة من التجارب التاريخية للنهوظ بالأمّة

التجربة النبوية:

فعندما نزل الوحي بالقرآن الكريم على محمد – صلى الله عليه وسلم – لم يكن يملك سوى قليل من التمر وشيء من الماء، في مكان موحشٍ هو ذلك الغار النائي في قمة الجبل. لقد كانت المعطيات المتاحة للرسول – صلى الله عليه وسلم – في هذه اللحظة التاريخية معطيات صفرية. ولم تكن مبشرة بتلك النتائج التي تحققت بعد 40 سنة من الفعل الحضاري للمسلمين. فإذا كانت هذه التجربة مؤيدة بالوحي من السماء فلننظر في غيرها من التجارب التاريخية لغير المسلمين. والذين قاموا من أجل إصلاح مجتمعاتهم، ولم يكن لعامل الدين أي دور في تحركاتهم.

التجربة الصينية

إذا نظرنا إلى أوضاع الصين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كانت الصين تعاني من الكثافة السكانية الهائلة، مع انتشار المجاعة والأمراض، أما على المستوى الثقافي فقد كانت تعاني من الجهل والتخلف. وعلى المستوى الاقتصادي عانت الصين من القيود الاقتصادية الشديدة الناتجة عن المعاهدات غير المتكافئة مع الغرب، وكان نسيجها الإجتماعي مهترئًا ومهددًا بالتفكك. أما على المستوى السياسي فقد احتلت بريطانيا «هونج كونج»، وغزت اليابان منشوريا، ثم يشن الغرب عليها حرب الأفيون في عام 1840 لينتج عنها 100 مليوم مدمن.

ثم ينبري شاب يُدعى ماوتسي تونج – وهو من الطبقة الوسطة- فلم يكن سليل أسرة حاكمة، أو في قمة هرم سياسي أو هرم قوة، بل كان طالبًا في كلية الفلسفة، ويعزم على إعادة تنظيم الشعب الصيني وتعليمه من جديد والوصول به إلى قمة التعلم. وتحرير بلاده من الاستعمارين البريطاني والياباني، لقد قرر بناء صين موحدة وقوية ومتقدمة!

لقد تحرك ماوتسي تونج، وتحركت معه هذه الفئة من الناس، ومروا بالآلام والمخاوف كلها: تجارب فاشلة، خسائر عظيمة، ولكن انطلق مشروع كبير في الصين، واستمر هذا المشروع يزحف يومًا بعد يوم. فأين وصلت الصين اليوم؟ وما هو موقعها الدولي؟ وكم نسبة النمو في الصين؟ وكيف ينظر العالم اليوم لمستقبل الصين؟ فإذا نظرنا إلى المعطيات الصفرية الأولى، ثم قارنا النتائج بها، سنجد هذه الحقيقة البارزة، وسنجد هذا التاريخ شاهد على إمكانية الفعل التاريخي.

من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبدًا وسوف يرى الدنيا أيامًا يداولها الله بين الناس. الأغنياء يصبحون فقراء، والفقراء ينقلبون أغنياء، وضعفاء الأمس أقوياء اليوم، وحكام الأمس مشردو اليوم، والقضاة متهمون، والغالبون مغلوبون والفلك دوار والحياة لا تقف والحوادث لا تكف عن الجريان.. والناس يتبادلون الكراسي.. ولا حزن يستمر.. ولا فرح يدوم. مصطفى محمود

لذا فإن دراسة التاريخ لا تعني مجَّرد الاطلاع على الوقائع والأحداث التاريخية التي مَّرت على الإنسان منذ خلقه الله تعالى إلى يومنا هذا، وإنما تعني التعُّمق في دراسة وتحليل هذه الأحداث في محاولة للخروج بفائدة يستنير بها الإنسان في عصره الذي يعيش فيه أيًا كان هذا العصر. وسيعلم الدارسون للتاريخ أن ما تمر به كل أمّة من تدهور أو ضعف ما هو إلا فترة مؤقتة كأيّة فترة مرت على الأمّم في سالف الأزمان. ليأتي اليوم الذي تلوح فيه نسمات الفجر في الأفق، وينجلي ليلها، وتشرق شمسها من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد