إذا كنت تبحث في هذا المقال عن أسباب تجعلك تتقبل فكرة الانتقال الى بيت آخر، منطقة أخرى، بلد آخر، فلا حاجة لك أن تُكمل القراءة وتصيع وقتك في تغذية عقلك بأسبابٍ لا تجدي نفعًا. أما إذا كنت تريد تغذية روحك وإقناعها بأن في الترحال – إن وجب – منفعة عُظمى فيا مراحب كثيرة، وتأهيل وتسهيل أكثر. وهنا أقول – إن وجب – لأن القلب إذا استقر صلُح وصلُحت نبضاته، والحواس إذا مكثت في مكان مكوثًا مطولًا أنجزت وحققت.

فلا تخاطر بالترحال طعمًا في نعيم لن يُوجد، ولا أملًا بالبحث عن حقائق الأشياء وخفاياها. سافر لأجل ذلك لكن لا ترتحل، لأنك ستتعب وتُستنزف. وأقول هنا تغذية الروح؛ لأنها مشتركة بين جميع أطياف البشر، حمرًا، بيضًا، وسودًا، عبيدًا كانوا لأزماننا هذه أو أحرارًا، نساء ورجالًا وأطفالًا وعامّة، طاعنين في السن، ومتقدمين في العمر قليلًا، شبابًا وأطفالًا. جميعنا تتصل أرواحنا رغم الشتات الجسدي بشكلٍ يجعل من أي تنظيم لموضوع ما مفهومًا، وأي تخطيط مسبق أو مستقبلي لأي هدفٍ مقبولًا.

ارتحل لتكتشف روحك التي كانت قد ضاعت في المكان الذي أنت فيه اليوم، والفرق بين الاكتشاف والخَلْق جلل! فاكتشاف روحك من قِبَلك يعني البحث عن نَفَسٍ موجود، أما صُنعها فهذا يوجب عليكَ المرور بمراحل البحث عن بذرة، ثم غرسها وعنايتها، ثم تعريضها لقدر كافٍ مما تُحب، ثم قطف ثمارها وإلباسها إياك.

روحك التي قد ملت السقم والكدر والمجاهدة في سبيل تحصيل ما لا يُطاق ولا يستحق، روحك التي مكثت تُقنعك بالرحيل منذ أن تعرضت لأول صفعة أطفأتها وسرقت منها بريقها، لكنك كنت تأبى خوفًا من الخوض في غمار حياة جديدة في مكان جديد.

ارتحل لتحيا حياةً هادئة، رغم صخب المكان الجديد والزمان والأجواء، لكن ما إن تجد نفسك الضائعة حتى تنعم بهدوء داخلي لن يعكر عليها أي منغص! إذا كان بإمكانك طيُّ ورقة الحي القديم الذي ضاعت فيه حياتك أملًا بمستقبل أفضل، فافعل وكن على يقين بأن ما من ارتحالٍ يتم بأمرٍ منه إلا وقد كُتب فيه الخير الأفضل. إذا استطعت الارتحال لعلمكَ المسبق بالنعيم والهدوء الذي ينتظر روحك فافعل. أرجوك افعل ودع ما بقي للباقي.

ارتحل لتعيش لحظاتِ الشرود تلك، فكم من مرتحلٍ أبدع حين نأى بنفسه عن قريته، وكم من ذكي دُفن في غياهب البلدة خوفًا من أن ينسلخ كليًّا عما كان عليه. حين تشرد تكون قد دخلت مرحلة الهدوء الداخلي، حينها يتحول الشرود الى إبداعٍ مثير، يَدُرُ عليك الخير الوفير الذي لن تستطيع تحصيله في بلدتك أو منطقتك لعدم توفر المقومات الأساسية لذلك التحصيل أصلًا. إن استطعت وأردت أن تُبدع بشكل استثنائي فارتحل، سيعلمك الارتحال مقومات الإبداع كالتأمل والمسؤولية، وحسن الاعتماد على النفس، ومتى يُعتمد على الغير، وحب العمل، وحب النفس التي وجدت.

ارتحل لتتملص من مواجهة ما يزعجك، مهما كان ذلك، فردًا، شيئًا، بلدًا، أو عملًا. في التملص أحيانًا شجاعة لا ترى بل تُعاش ويجب تطبيقها لتتمكن من الاستمتاع برؤيتها. تملص من كل مهامك التي أثقلت كاهلك وأنهكت جسدك وروحك، ارتحل لتبتعد عن كل ما يؤلمك، ارتحل لتتسنى لك فرصة الإزهار من جديد بعد ما أمرضتك الجذور الميتة السامة. إذا كان باستطاعتك الارتحال لتنأى بنفسك عن كل ما يحطمك من قول وفعل، فافعل. وإلا كنت من النادمين على كل فرصةٍ ضاعت وعلى كل وقتٍ أدميت فيه نفسك.

ارتحل لتتجدد، لتعرف قيمة نفسك، لترى الأمور من زوايا مختلفة، لتتعلم فهم الأشياء رغم اختلاف وجهات النظر، لتغدو أقوى فكريًّا، لتنضج. ارتحل لتكتشف عوالم لم تكن تحسبها وُجدت، حين اكتشافك لها ستُكوَّن من جديد وعودك سيقوى وجذعك سيصبح أكثر صلابة ومتانة.

ارتحل لترتاح. ببساطة، كل من اختار الارتحال والبعد اختار في قرارة نفسه الابتعاد عن منغصات لن توصله إلى مبتغاه، الارتياح النفسي والأمان الروحي من أهم مقومات السعي إذا أردت الوصول بجِد. إذا كانت الدنيا مسودة في نظرة حيث تعيش، والجو العام باردٌ بنظرك لا يدفئه ظل حبٍّ أو لمسة حنان، فارتحل. جرب مقامات وأماكن ودور وزيارات لمناطق جديدة، استقر إن استطعت لتكبُر داخليًا وتنعم بلذةالراحة.

وأخيرًا، ارتحل إذا عرفت أن في ارتحالك شفاءً مطبقًا، وإيجادًا ثمينًا، وصيدًا حميدًا، وتجديدًا مفيدًا، وحياةً مغايرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نرتحل
عرض التعليقات
تحميل المزيد