الرعب هو إحداث الخوف، والخوف هو شعور مزعج يصيب الفرد نتيجة تهديد من نوع ما.

وهذا التعريف يؤكد أن الخوف شعور غير سار، ولكن مبيعات روايات وأفلام الرعب تبرز مفارقة تدعو للحيرة، وتطرح السؤال؛ لماذا نريد تخويف أنفسنا؟

هذا مقال يحاول أن يحلل ظاهرة عشق تخويف النفس (تخويف أنفسنا بأنفسنا)، تسليط عاطفة (الحب) على أخرى (الخوف). فنجد الملايين حول العالم يعشقون الأعمال المرعبة في الأدب والسينما مما جعلها تجارة فنية رابحة للغاية وما زالت كذلك حتى هذه اللحظة، بل شهد الأدب العربي تحولًا ملحوظًا فيها بعد توجه معظم جيل الشباب -وما يرافقهم من أجيال سابقة أو لاحقة- للكتابة في أدب الرعب.

أرجح النظريات هي مفهوم التطهير، الذي صكه أرسطو عام 335 قبل الميلاد في كتابه الشهير (فن الشعر) الذي ما زال مرجعًا مهمًّا للعديد من النظريات الأدبية والنقدية.

ويأتي هنا التطهير بمعنى التنفيس. التطهير Catharsis هو تجميل القبيح من خلال رؤية الأكثر قبحا.

وهو ما يعبر عنه المثل الشعبي الشهير «اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته» أي من رأى إبتلاء غيره هان عليه بلاؤه. فإذا مرضت مرضًا أرهقك، ولكنه لا يزيد عن كونه بردًا، ومع ذلك لا تكف عن التذمر. فإذا قابلت شخصًا مرض مرضًا لا شفاء منه، سرطانًا خبيثًا، شعرت بمدى ضآلة حالتك. وإذا داس شخص على مسمار، فكاد أن يبكي من شدة الألم، وفي نفس اللحظة رأى شخص يخرج زاحفًا من تحت سيارة مقلوبة بدون ساقيه. سوف ينسى ألمه وحاله على الفور.

ولكن تلك الحوادث العارضة، غير متحكم بها، لا من قبل المبدع ولا المتلقي كما يحدث في الروايات أو الأفلام. فالمبدع يستطيع في أرضه أن يتخيل ما شاء من الأحداث، والمتلقي يملك الخيار في انتقاء ما يناسبه منها. هذا الشعور هو ما تصنعه تلك الأعمال الفنية الأدبية أو السينمائية، وهي سرّ شعبيتها. خاصة التراجيديا، لأنها تفّعل شعور الحزن لدينا، والرعب لأنه يفعّل شعور الخوف لدينا. فالتنفيس يمثل عملية هوميوباثية تحقق فيها عاطفتي الشفقة والخوف تطهير النفس من العواطف مثل هاتين العاطفتين بعينهما.

يقول ستيفن كينغ، وكل الأقوال المقبسة له إلا إذا ذكرنا غير ذلك

«نحن نذهب لمشاهدة تلك الأفلام كي نعيد ترسيخ وعينا بحياتنا الطبيعية الأساسية؛ فيلم الرعب عمل مُحافظ بطبيعته، بل رجعيٍ. إن شخصية فريدا چاكسون مُنصهرة الوجه في فيلم «مُت،أيُّها الوحش،مُت!» تثبت لنا أننا مهما كنا بعيدين كل البعد عن وسامة روبرت ريدفورد أو جمال مُحَيَّا ديانا روس، فإننا ما زلنا على مسافة سنوات ضوئية من القبح الحقيقي».

الدم والهم من أجل واقع مغاير عن واقعنا الجاثم على صدورنا، مرتديا أحد ثوبين؛ الألم والملل. فإن كان واقعنا مؤلما، ننظر إلى واقع أكثر قبحا لنحمد الله أنه لم يتحول إلى واقع أشد ألمًا. وإذا كان واقعنا مملًا، ننظر إلى واقع أكثر قبحًا لنحمد الله أنه لم يتحول إلى واقع غير ممل، أو ربما إلى واقع أكثر مللًا. يعني حتى اللذين لا يعانون في حياتهم سوى من الملل الناتج من رتابة الأحداث، يحتاجون إلى التطهير.

آلية أخرى تستخدم في التطهير، ليس من خلال تعذيب أنفسنا، بل من خلال مواجهة الخطر لإكتساب الشجاعة، خطر غير خطير، أي غير حقيقي هو ما توفره لنا السينما.

«نتيجة ان العمل الفني عموما يقدم في بيئة مناسبة تخلو من وجود تهديد حقيقي يصبح الإيحاء بوجود تهديد هو المتسبب في شعور المتلقي بالخوف،و لذلك حين ينتهي العمل الفني يشعر المتلقي بالانتشاء الناتج من تخلصه من التهديد دون أن يتعرض شخصيًا لأي أذى، وهذا هو مصدر متعته.

إنه يعلم تمامًا بالرغم من شعوره بالخوف أن ما يحدث أمامه هو تمثيل وأمور غير حقيقية بالمرة وهذا على مستوي من مستويات وعيه.»

هناك نوع آخر (الآلية الثالثة) من التطهير ينبثق منه، وهو التطهر / التنقية، أي تطهير أنفسنا وليس واقعنا. بعبارة أخرى (التفريغ). وكما يقول ستيفن كينج «أظن أننا جميعًا مختلون عقليًّا؛ فقط القاطنون منا خارج المصحَّات النفسية بارعون في إخفاء جنونهم بشكلٍ أفضل قليلًا، وربَّما لسنا بتلك البراعة في النهاية.

المتعة النَّاشِئة عن رؤية أُناس آخرين يُهدَّدون، بل يُقتلون أحيانًا. أحد النُّقَّاد أشار أنه إذا كانت كرة القدم الأمريكية البديل المُعاصر لنشوة القتال،كمن يتلقَّى متعته الجنسية من مُراقبة الآخرين يمارسون الجنس؛إذًا فأفلام الرعب قد أصبحت البديل المعاصر للإعدام العام.

إن فيلم الرعب الخرافي المعتمد على حكاية خيالية يتعمَّد طمس درجات اللون الرمادي.. إنه يحثُّنا أن نضع ذواتنا الأكثر تحضُّرًا وميلًا إلى النقد والتحليل بعيدًا، وأن نعود أطفالًا من جديد، ونرى الأشياء باللونين الأبيض والأسود. قد تكون أفلام الرعب قادرة على تقديم راحة نفسية على هذا المستوى لأن مثل هذه الدعوة للانزلاق إلى البساطة، واللا عقلانية، وحتَّى الجنون التام، نادرًا ما تدوم. إنها تخبرنا بأنه مُخوَّل لنا إرخاء الزِّمام عن مشاعرنا قليلًا.. أو إطلاق عنانها بالكامل.

إن كنَّا جميعًا مجانين، فالسلامة العقلية تصبح مسألة رُتبة لا أكثر. مثلًا، إذا حثَّك جنونك إلى تقطيع أوصال النسوة مثل چاك السفَّاح أو قاتل كليڤلاند قاطع الجذوع، فستودع نزيلًا في مصحِّة المجاذيب (بالمناسبة لم يُقبض على جرَّاحيّ الليل الهاويين هذين قط؛ هي هي هي). من الناحية الأخرى، إذا قادك جنونك فقط إلى مُحادثة نفسك عندما تكون مضغوطًا، أو دس إصبعك في أنفك في أثناء ركوبك الحافلة الصباحية؛ فلسوف تُترك وشأنك للذهاب إلى عملك .. لكن من المُستبعد أن تُدعى في أيِّ وقت إلى أفضل الحفلات التي تُقام في المدينة».

ويضرب ستيفن كينغ مثلًا آخر

«عندما نتداول نِكاتًا مريضة، كـ«ما الفرق بين شاحنة مُحمَّلة بكرات البلياردو، وشاحنة مُحمَّلة بجثث الرُضَّع؟» (الجواب أنك لن تستطيع تفريغ حمولة شاحنة مُحمَّلة بكرات بلياردو بواسطةِ مِذراة… وهذه بالمناسبة نكتة سمعتها من صبي سنه عشر سنوات). مثل هذه المُزحَة قد تُضحكنا أو تجعلنا نبتسم جافلين،وهو احتمال يؤكِّد صحة النظرية القائلة: إذا كنا نتشارك في أخوية الإنسان، فنحن نتشارك أيضًا في جنون الإنسان. لا أقصِدُ بهذا الدفاع عن النكتة المريضة أو عن الجنون، بل هو مُجرَّد تفسير لماذا نجد أن أفضل أفلام الرعب كأفضل القصص الخيالية تمامًا- قادرة على أن تكون رجعية، وأناركية،؛ وثورية في الآنِ ذاته.

فيلم الرعب الخيالي -تمامًا كالنكتة المريضة- يقع على عاتقه وظيفة قذرة ليؤديها. إنه يُناشد -عمدًا- أسوأ ما فينا. إن جنونه المريض يفك قيود أكثر غرائِزنا بدائية ويُحرِّرها، ويجعلنا نُدرِك نزواتنا الأكثر شرًّا.. وكل هذا يحدث -لحسن الحظ- في الظلام.

نوعٍ من فتح بابٍ سحريٍ ما في قاع الفص الأمامي المُتحضِّر من الدماغ،ثم إلقاء سلة تحوي لحمًا نيِّئًا إلى التماسيح الجائعة التي تسبح في ذلك النهر الجوفي القابع وراءه.

لماذا أهتم؟ لأن هذا يكف التماسيح عن الهروب يا صاح. إنه يبقيها هناك في الأسفل،ويبقيني هنا في الأعلى.»

وكل منا لديه مستنقع من التماسيح الجائعة في عقله، الأدب والسينما توفر ظروفًا آمنة للغرق في حالات السادية والسايكوباثية والشهوانية وتفريغها في المشاهد على الشاشة أو الورق، من خلال تقديم آلية للتحكم العقلاني في المشاعر غير العقلانية. وبهذا نتمكن من إشباع التماسيح ولو مؤقتا.

في مقابل التطهير يتيح لنا التخييل خيار آخر، هو الهروبية Escapism. أي الهروب إلى واقع آخر أجمل من واقعنا، حيث أبطال أقوى من الوحوش، وعوالم نقية من ماضي لم تفسدها التقنية الآتية من المستقبل، والمصاحبة معها كل أنظمة القمع الجديدة، والأمراض المصنعة من أيدي البشر.

«إن الهروب أمر حميد: الذهاب إلى مكان مختلف، لتعلم أشياء جديدة، ثم الرجوع بأدوات ربما لم يكن لك علم بها، والشيء الرائع في جيه كيه رولنج هو الفكرة المفاجئة المتعلقة بإمكانية تأليف كتب للصبية قادرة على المضيّ إلى أماكن غريبة رائعة، فتكون قراءة ممتعة بحق، وهذا من جملة الأسباب التي حوّلت كتب الأطفال من نطاق ثانوي في متاجر الكتب إلى قوة هائلة في صناعة النشر في بريطانيا..» نيل جايمان.

الأدبيات التي تفعل هذا التلقي الذهني نتعامل معها مثل المخدرات أو الخمر. إنها تنسينا، ولو مؤقتا، مرارة واقعنا. وهذا يفسر شيوع نوعيتي الفانتازيا والرومانسية بالتوازي مع نوعيتي الرعب والإثارة.

وهذا يعطينا تفسيرًا آخر عن لماذا الأعمال الواقعية غير محببة لدى الشريحة الأكبر من المجتمع. ذلك لأنها تقدم لنا واقع آخر لا يختلف عن واقعنا، ولا يكف عن تذكيرنا به.

في الأخير نذكر أن نسخة ويكيبيديا العربية إستنادًا إلى المرجع السادس في المصادر (كتاب Catharsis in Healing، Ritual، and Drama للباحث توماس جاي شيف Thomas J. Scheff) تقدم التطهير بصفته «مصطلح في الفن الدرامي يصف تأثير المأساة أو الكوميديا وعدة أشكال أخرى من الفن في الجمهور (إلا أن البعض يرى أنه يصف تأثيرها في الشخصيات الدرامية أيضًا)». والتطهير ليس إلا تأثيرً واحدًا ضمن تأثيرات مختلفة يحدثها العمل الدرامي في عقل المتلقي وهو ما نتناوله في مقال آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد