(1)

طرح أحد الأصدقاء الأعزاء عبر مقالتين هذا الموضوع، الذي لا يمكن إلا أن يشغل بال كل من يكتب في الشأن العام في مصر في الثلاثة أعوام الأخيرة، حيث الظلام قد عم وطم، وضاعت أصوات الحقيقة وسط نعيق الباطل، وقرع الطبول، وغلبة الخوف، وشيوع النفاق، بحيث أصبح كل كاتب يشك في جدوى كتابته، ومنهم صديقنا العزيز الذي كتب قبل أكثر من عام مشجعًا نفسه وشارحًا أسبابه في الاستمرار في الكتابة بمقالة بعنوان: لماذا نكتب؟

ثم غلبه الإحباط – حالنا جميعًا – فتوقف لشهور – وعاد بمقالة يشرح: لماذا لا نكتب،

وقد حفزني هذا على أن أضع على الورق أسبابي في الاستمرار في الكتابة – بل الحرص عليها – بالرغم من قتامة الأوضاع، أحببت أن تكون أسبابي مكتوبة حتى لا أحيد عنها، وتتقاذفني أمواج الإحباط نحو دوامات التوقف، فحتى وإن فعلت لأسابيع فلعل تلك المقالة تكون كالحبل المتين أعود به إلى حيث لا أغرق في الإحباط.

(2)

لماذا نكتب؟

  • لكي نُشهد الله (المعذرة الفردية إلى الله)

ما هي المعذرة إلى الله في السكوت عن المنكر والظلم والأوضاع الفاسدة؟ وقد حدد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأوضح عبارة خطوات تغيير المنكر، باليد أولًا، فمن لم يستطع فباللسان، فمن لم يستطع فبالقلب، وهذا أضعف الأيمان، فجعل الرسول شرط الانتقال من مرحلة إلى الأقل منها بعدم الاستطاعة، وليس بغلبة الإحباط، أو بالشك في جدوى الكلمة، فإن الله طالبنا بأدائها، ولم يطالبنا بالنتيجة، فنحن نكتب ليكون لنا وجه ومعذرة أمام الله يوم القيامة، نحن نكتب أولًا من أجل خلاصنا الفردي.

(3)

لماذا نكتب؟

  • لكي يَشهَد الله (المعذرة الجماعية إلى الله)

إن الله حليم، لكننا كمجتمع أوغلنا في القتل والإجرام والمظالم وسفك الدماء، ورضي كثير من الناس عن ذلك كله، فكان لزامًا على أصحاب الحق أن يصدحوا بالحق وإنكار المنكر، وإلا أوشك الجميع أن يعمهم العقاب من الله، فنحن نكتب من أجل الخلاص المجتمعي، ومن أجل ألا يحل على الجميع سخط الله.

(4)

لماذا نكتب؟

  • لكي لا يقال إنهم لم يكتبوا!

سيأتي يوم يسألنا أبناؤنا وأحفادنا فيم كنتم؟ فإذا كان الرد: كنا مستضعفين في الأرض، وما استطعنا التغيير، فلابد أن يكون الرد: ألم يكن في الكتابة متسع لتعلنوا فيه إنكاركم ورفضكم، وتحاولوا فيه توعية الناس ومحاربة الظلم والفساد؟

سيأتي يوم تحاسبنا فيه الأجيال القادمة، كما نحاسب نحن الأجيال الماضية ونسألهم: فيم كنتم أيام انتشر الظلم في الستينات – وما أدراك ما الستينات – فيم كنتم والباطل يعلو ويسخر من التدين وتنتهك الحرمات ويخدع الإعلام الناس!

وإذا كان لهذا الجيل بعض العذر لانعدام القدرة تمامًا حتى عن الكلام المعارض، وغياب المنابر المستقلة، فما هو عذرنا الآن ومازال بعضها مفتوحًا لم يغلق بعد!

(5)

لماذا نكتب؟

  • من أجل السفينة (من أجل مصر)

قد لا تردع كلماتنا الذين يثقبون سفينة الوطن، وأيدينا مغلولة أن نمنعهم وما يفعلون، لكن فيم سكوتنا وألسنتنا ليست مغلولة بعد؟ إذا كان الوثاق يشد أيدينا، ونحن نراهم يثقبون سفينة الوطن، فأي عذر لنا في أن نغلق أفواهنا، ولا نصيح ونصرخ منذرين، لعل بعض من ليست أيديهم موثوقة يتحرك للإنقاذ، وحتى لو لم يفعل ذلك أحد فنكون قد أدينا واجبنا نحو السفينة.

(6)

لماذا نكتب؟

  • ومن أجل ركابها (إخواننا الذين بغوا علينا)

في السفينة زبانية يفسدون فيها ويسعون في غرقها، وفي السفينة أطهر ما فيها – أطهر من بقي فيها، فإن أطهر ما فيها قد ألقي في البحر صريحًا أو فر منها – أطهر من بقي فيها موثقة أيديهم، ولم تبق لهم إلا أفواههم وأقلامهم، وفي السفينة أخلاط شتى، لو قاموا على الزبانية لاستنقذوا السفينة منهم، ولو ظلوا على رضاهم أو خنوعهم لهلكوا معهم، من أجل هؤلاء نستمر في الكتابة، لعلهم يتقون، وهو ما جاء في قصة أصحاب السبت حين كان اهل الحق يعظون اخوانهم دون جدوى، فقيل لهم «لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا  اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ».

(7)

  • الجندي في المعركة لا يسأل: ماذا تفعل طلقتي

إن سؤال: ماذا تفعل مقالتي، إذا كانت مقالات كبار الكتاب لا تغير شيئًا؟ هو سؤال منكر من وجوه، الوجه الأول: وما يدريك أن مقالات كبار الكتاب لا تفعل شيئًا، بل ما يدريك أن مقالتك ومقالتي ككتاب غير مشهورين لا تفعل شيئًا؟ هذه أشياء لا تقاس! بل عندي من المواقف السابقة في حياتي على خلافها، والوجه الآخر من وجوه الإنكار على هذا السؤال: هب أن هذا صحيح، وأن المقالات لا تفعل شيئًا من التغيير، لكنها تفعل ما سبق ذكره من موجبات الكتابة، الخلاص الفردي، وأن يرى الله منا أننا لسنا صامتين، ولكي تعلم الأجيال القادمة أننا لم نصمت، ولكي نؤدي حق مصر علينا، ولكي نحاول إقناع الآخرين، فإن فات الهدف الأخير فقد بقي ما سبقه!

إن الذين يكتبون منكرين على المظالم والمفاسد الحالية هم جنود، جنود في صراع عالمي بين الحق والباطل، والجندي في الحرب العالمية إلى جواره ملايين الجنود وفي مواجهته ملايين الجنود، ولو سأل كل جندي: وماذا تفعل طلقتي، وأي تغيير تغيره في نتيجة المعركة، فلن يكون هناك جيش، ولا معركة! إن المطلوب من الجندي ليس حسم المعركة، ولم يكن ذلك أبدًا مطلوبًا منه في أي زمان، ولا مكان، وليس متوقعًا من طلقته أن تكسر الخصم، ولم يكن ذلك أبدًا مطلوبًا منها في أي زمان، ولا مكان، المطلوب من الجندي – إذا آمن بعدالة ومشروعية حربه – أن يمضي على بصيرة متسلحًا بالإيمان والصبر والمهارة، وماضيًا في طريقه حتى النهاية، فإما النصر أو الشهادة، المطلوب منه أن يجيد التسديد، لا أن يسأل: وماذا ستفعل طلقتي؟

(8)

  • إن القَدَر كالقِدرِ، لا تدري متى يغلي ماؤه وينضج ما فيه

إذا أردت أن يغلي الماء في قِدرِ عظيمة فإنك تجمع ما تستطيع من الحطب؛ فتشعله من تحتها، ثم تلقي المزيد والمزيد من الحطب، وتنتظر طويلًا؛ حتى يغلي الماء أو ينضج الطعام، وقبل غليان الماء بدقائق لا يظهر على الماء من تغيير، إلا بعض الفقاعات البسيطة، هذا فقط الذي يسبق الغليان، وبعد إحراق الكثير من الحطب، ولا يمكن لأحد أن يسال: ما فائدة هذا العود، أو ذاك، وما دوره في غليان الماء أو إنضاج الطعام؟ كذلك القَدَر، تجري فيه تفاعلات لا نعلمها، وتترتب فيه أمور لا نعلم أوان نضجها، فليس علينا، لا النتيجة، ولا استعجالها – ولنا في ثورة يناير مثال وعبرة – إنما علينا أن نلقي الحطب في النار تحت القدر؛ لينضج ما فيه بقدر الله، وقت أن يأذن الله، هذا هو فقط ما علينا، فمن وعي هذا لم يسال أبدًا: لماذا نكتب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد