كثيرًا ما نسمع من الرجال ان البكاء هو علامة خور وضعف، وأن على الرجل أن يبدو قويًّا متماسكًا مهما كانت الظروف، وأن المرأة عليها أيضًا أن تبدو قوية كاتمة لجروحها، حتى لا يستهين بها الرجل. وأن بعض النساء تغتنمن هذه الحجة لتبكي في محاولة لاستدرار العطف، أو الحصول على مبتغاها، لكن لا بد أن تعلم أيها القارئ أن المواقف التي تستدعي ذرف الدموع لا يمكن أن تقتصر على المرأة دون الرجل، كما أن حبس الرجل لدموعه هو من قبيل أفكار مغلوطة اكتسبها الرجل تمنعه من التعبير الحقيقي عن مشاعره، حتى لا يفقد شخصيته كرجل. ولكن الأمر يختلف تمامًا فعند الأخصائيين في مراكز الأبحاث أو الدراسات العلمية والطبية، أن البكاء يخفف من حدة الضغط النفسي، وهذا مفيد للصحة في حالة الاضطرابات النفسية. واكتشف هؤلاء أن 73% من الرجال الذين يبكون، يشعرون بالارتياح بعد البكاء، وأن الحزن مسؤول عن أكثر من نصف كمية الدمع التي يذرفها البشر، في حين أن الفرح مسؤول عن 20% من الدمع، أما الغضب فيأتي في المرتبة الثالثة. ويتفق الطب النفسي على أن البكاء مفيد، وأن عدم القدرة على البكاء كان السبب وراء العديد من الأمراض التي يعالجها، خصوصًا أن تقاليد التنشئة تحث الرجال على كبح الرغبة في البكاء.

ولتعلم أيها القارئ أن البكاء هو صورة للتنفيس، ووسيلة تعبير فطرية عن أحاسيس قوية تأبى أن تبقى حبيسة في باطن الإنسان؛ وبالتالي، فالدموع تجسد إنسانًا يتمتع بكتلة من الأحاسيس والمشاعر لا فرق فيها بين الرجل والمرأة، ولا علاقة للشخصية بها.

وكثيرًا ما ينظر الرجال إلى المرأة على أنها مخلوق ضعيف تبكي دائمًا بدون سبب. ولكن هذه النظرة المغلوطة سرعان ما تتلاشى أمام أي قارئ جديد ومنصف لشخصية المرأة.

«البكاء ليس ضعفًا كما يزعمون وليس كله كيد».

للبكاء ثلاثة أغراض معروفة:

  1. وسيلة لغسل العين

يؤدي البكاء وظيفة مهمة، وهي إزالة الملح والقاذورات الأخرى من العين. وتحتوي الدموع كذلك على أنزيم يسمى «ليسوزيم»، والذي يقتل البكتريا ويحمي العين من العدوى.

  1. وسيلة للتخفيف من التوتر

أثبت التحليل الكيماوي للدموع أن دموع الضغط والتوتر –تلك التي تسيل على الحد– تحتوي على بروتينات مختلفة من تلك التي المستخدمة في غسيل العين. ويبدو أن الجسم يستغل تلك الوظيفة للتخلص من سميات التوتر، ولعل هذا ما يفسر شعور النساء دائمًا بالتحسن بعد انتهائهن من نوبة من البكاء، حتى وإن لم يكن لديهن سبب حقيقي يدفعن إليه. وتحتوي الدموع كذلك على هرمونات «الإندروفين»، وهو أحد مسكنات الألم الطبيعية في الجسم، والتي تعمل على تثبيط الألم العاطفي.

  1. وسيلة للتعبير عن الانفعالات

إن عجول البحر والثعالب المائية تبكي حزنًا عند فقدها لصغارها. والإنسان هو الحيوان البري الوحيد الذي يبكي لكي يعبر عن انفعالاته، ويتلاعب بالآخرين. إن الدموع تمثل إشارة مرئية للآخرين لكي يحتضنوا ويواسوا الشخص الباكي، كما إنها تشجع إنتاج هرمون «الأوكسيتوسين»، هذا الهرمون الذي يجعل الشخص راغبًا في أن يلمسه ويحتضنه شخص آخر.

«إن عجول البحر والثعالب المائية لا تستخدم الدموع، كوسيلة للتلاعب ببعضها البعض على عكس الإنسان».

لهذا النساء أكثر بكاء من الرجل

يبدأ البكاء منذ لحظة الولادة، وتكون وظيفته الأساسية استثارة مشاعر الحب والحماية لدى البالغين. فالرضيع يستخدم البكاء كوسيلة لنيل مراده، تمامًا مثل ما تفعل النساء. ومعظم النساء يستطعن تحديد سبعة معانٍ مختلفة وراء بكاء الطفل لكي يعرفن ماذا يريد؟ والغدد الدمعية عند النساء أكثر نشاطًا منها عند الرجال، الأمر الذي يتناسب مع غزارة الاستجابات العاطفية في مخ المرأة. ونادرًا ما يرى أحد رجلًا يبكي على الملأ، حيث إن الرجل -من وجهة النظر التطورية- عندما يظهر مشاعره خاصةً في وجود رجال آخرين، فإنه يعرض نفسه للخطر، حيث سيبدو ضعيفًا؛ مما سيشجع الآخرين على مهاجمته، وعلى الجانب الآخر، فعندما تعبر المرأة عن مشاعرها وخاصة للنساء الأخريات، فإن ذلك علامة الثقة، ذلك أن الباكي يصبح كالرضيع، حيث يستحث صديقه على لعب دور الوالد معه.

المرأة وطن تغرب عنه الرجل عن قصد

  • المرأة بها من القوة ما يكفي لحمل هموم العالم، وبها من الحنان ما يكفي لمنح الراحة والأمن لوالديها ثم إخوتها، ثم زوجها، ثم أطفالها، وكل من حولها.
  • المرأة قوة داخلية قادرة على تحمل آلام الوضع وآلام الرفض، خاصةً عندما يكون الرفض من أبنائها الذين تعبت من أجل أن تأتي بهم، إن أعطتهم ورفضوا العطاء.
  • المرأة إرادة صلبة تتحمل المسؤولية «عندما يتخلى عنها الجميع» للعناية بأسرتها، رغم المرض والإنهاك دون تذمر أو شكوى.
  • المرأة مشاعر حانية تغمر أبناءها وإن قسوا عليها، وتخفف بها عن آلامهم ومخاوفهم وقلقهم.
  • المرأة سند تشد من أزر زوجها في مواجهة الصعوبات وتكوين مستقبل باهر، خلقت من ضلعه لتحمي قلبه من الأحزان، تمنحه الحب والحنان.

رسالتي لك أيها الزوج الصالح

إن الزوج الصالح لا يؤذي زوجته أبدًا، لكنه بين حين وآخر يمتحن قدرتها على تحمله وعلى الوقوف إلى جانبه ومساندته دون تردد، ثم يقسو ومع الآخرين يلين، ولكنها تتناسى قسوته وتكتم وتتجلد وتصبر، ثم تصبر، ثم تصبر، ثم تجبر نفسها بقوة على الصبر، ثم تبدأ تذرف الدموع على وسادتها، تذرف دموعًا وهبها إياها الله لها لتطفئ نارًا قد تحرق جوفها لتذرفها متى ما احتاجت لذلك وقست ظروفها، فهي أغلى ما تملكه عند الجرح، دمعة تجدد بها قوتها لتستمر الحياة، قد يتساءل أحدهم لم كل هذا التجني على الرجل، والنساء هن كما هو معلوم صواحب يوسف صاحبات الكيد والمكر والغواية؟!

أيها الرجل..

دعني أقترح عليك اقتراحًا، ما رأيك أن تجلس يومًا برضيعك تعتني به وتنظف له محله وتتحمل الصراخ الدائم والبكاء والصوت العالي والطلبات التي لا تنتهي من أبنائك، هل تستطيع مع كل هذا صبرًا، بالطبع لا. فلمَ لا نكون منصفين. وكثيرًا ما كنت أسمع بعضهن يرددن، ماذا لو بدلنا الأدوار فتحمل الرجل أوجاع شعور الحمل وأوجاع الوضع، وتحملت المرأة أوجاع العمل ومتاعبه!

 «الحقيقة أننا نحتاج نحن الرجال إلى وقفة نعيد فيها حساباتنا مع المرأة».

المرأة.. متى تبكي؟

  • المرأة تبكي وبشدة عندما تنجرح مشاعرها أو تهان، وتجد أن حروفها لا تسعفها أن تنتصر لكرامتها المجروحة، وأن الصمت صار حتمًا ولازمًا.
  • المرأة تبكي عندما تشعر أنها مجبرة أن تتظاهر بنقيض ما تبطن، وأنها مجبرة أن تتعايش مع واقع هو مفروض عليها أن تعيشه رغمًا عنها، وأنها يلزمها أن تتخلي عن أحلامها مقابل أن يرضى عنها هذا الواقع. حينها تنفجر المرأة باكية بكاءً تذوب له الصخور صرخاتها وقتها تفتت الجبال لأن لا أحد يفهمها لا أحد يسعها حتى وإن سمعوها فلن يفقهوا هذه المشاعر التي هي أقصى أحلامها. وحتى الحلم ذاته أصبح حلمًا. المرأة تبكي عندما تشعر أن حروفها أكبر من أن تصف ما يجول بصدرها، فتجد نفسها عاجزةً عن البوح بمشاعرها، ولا تجد متنفسًا لهذه المشاعر غير أن تحتضن وسادتها لتبث لها حديثًا هو من نوع خاص حديث الدموع.
  • المرأة تبكي عندما يعجز الآخرين عن فهمها أو قراءة مشاعرها، قراءة جيدة، تشعر حينها بالعجز، باليأس، تشعر بأن الدنيا ضاقت عليها بما رحبت.
  • المرأة تبكي عندما تخاف الفقد الحرمان، عندما تفتقد الأمان مع من اختارته أمانًا.
  • المرأة تبكي عندما تشعر بأنها قد انخدعت في من وهبته ثقتها وقلبها، وأن إخلاص زوجها لها في مهب الريح، امرأة لم تكشف له جسدها فقط، بل كشف له عن قلبها، عن نقاط ضعفها، ليصونها لا ليستغلها ضدها.
  • المرأة تبكي عندما تكتشف أنها باعت حلمها بلا مقابل، وأن عمرها ذهب مع الريح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

لماذا يكذب الرجل.. ولماذا تبكي المرأة لــ آلان وباربرا بيز.
الرجال من المريخ والنساء من الزهرة لمؤلفه د. جون غري
هي خواطر نفسية حول المرأة لــ إيهاب محمد
عرض التعليقات
تحميل المزيد