إحدى الأخوات سألتني: لماذا تكره أردوغان؟! فأجبتها: أردوغان ليس زوج خالتي حتى أحبه! ولم يدخل معي في علاقة عاطفية ثم  خانني حتى أكرهه! المسلم يحب في الله ويكره في الله، ويحدد مواقفه من الأشخاص حسب درجة التزامهم بالإسلام وخدمتهم له، أو انحرافهم عنه وإساءتهم إليه.

وبالمناسبة، كنت قد كتبت في السنوات الأخيرة العديد من المقالات في الدفاع عن أردوغان، منها مقال بعنوان: أردوغان السوبرمان، وآخر بعنوان: من أين يأتي الأتراك بكل هذا الإباء. ولكن آراء المرء ومواقفه ينبغي أن تتعدل إذا جدّ له من المعلومات ما يستوجب التعديل. وصاحب العقلية الجاهلية الذي يعبد الأشخاص ولا يكترث بالحق هو فقط من يتشبث بمواقفه بتعصب.

في الإسلام، يصعب، ولا يجوز أساسًا، فصل ما هو سياسي عما هو ديني. فكل شيء في حياة المسلمين ينبغي أن يخضع للدين، وأن يكون الدين هو المرجعية الضابطة والموجهة، أولًا وأخيرًا. ومن له رأي آخر، من المنادين بفصل الدين عن السياسة ووجوب الاحتكام لما تسمى بالقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية والبطيخية، فإن عليه التوقف عن ادعاء الانتماء إلى الإسلام، واتباع الهندوسية أو البوذية أو عبادة الشيطان، الذي يسير على نهجه بالفعل!

لأردوغان ولا شك، مواقف سياسية مشرفة، على الأقل مقارنة بمواقف الأقزام من الحكام العرب. مثل موقفه في دافوس، عندما مسح البلاط بالخنزير شمعون بيريز، بينما عمرو موسى، ممثل ما تسمى بالجامعة العربية، يجلس كالفأر دون أن ينبس ببنت شفة!

ولكن مثل هذا الموقف، وغيره من المواقف المشابهة، تظل في نهاية المطاف مجرد بطولات على الورق، لا تقدم كثيرًا أو تؤخر. وبخاصة إذا لم تتحول إلى قرارات سياسية على أرض الواقع.

فأردوغان يشتم الصهاينة في الصباح، وفي المساء يستقبل سفيرًا جديدًا لهم!

ونراه يرغي ويزبد غضبًا من قرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، غير أنه لم يفعل شيئًا أكثر من الدعوة إلى قمة بائسة تافهة، كثير من حاضريها هم من العملاء أو أبناء العملاء الذين شاركوا في بيع فلسطين والسمسرة عليها!

ونجده يصدع رؤوسنا أول النهار بالحديث عن حرقته على سوريا وأهلها، ثم يرتمي آخره في أحضان المجرمين في روسيا وإيران موقعًا الاتفاقيات معهم!

وبالإضافة إلى حرمة ذلك دينيًّا، إذ يحرم التحالف مع من هم في حالة حرب دائرة ضد الإسلام والمسلمين، فإنه يعبر عن مواقف سياسية انتهازية ورخيصة، تتاجر بدماء المسلمين ومعاناتهم.

أما على المستوى الديني، وهو الأهم بكثير، فقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن أردوغان يتبنى وبحماس شديد أفكار جلال الدين الرومي. وهذا الشخص هو من أخطر الشخصيات التي أساءت إلى الإسلام في التاريخ. فقد أسهم في نشر فكرة وحدة الوجود على نطاق عالمي واسع، والتي تقول إن الله جل وتعالى عن ذلك، يحل في كل المخلوقات، فلا فرق بينه وبين مخلوقاته، ولا فرق بين الأديان جميعها، باعتبارها تسعى جميعًا للوصول إلى الله!

من يتبنى مثل ذلك الطرح، مهما تكن هويته، لا يمكن أن يكون مسلمًا؛ بل إنه يشكل خطرًا جسيمًا على الإسلام. لذلك فإن الإسلام الذي يتبناه أردوغان ويروج له هو إسلام مختلف تمامًا، لا يختلف في شيء من حيث الجوهر عن إسلام الشيعة، بل إنه أخطر منه بكثير؛ لأن أغلبية المسلمين باتوا يدركون أن الشيعة لا ينتمون إلى الإسلام، غير أن هؤلاء ما يزالون يعتقدون أن أردوغان يمثل الإسلام، بل إن الكثيرين منهم يطالبون بتتويجه خليفة للمسلمين! فتخيلوا فظاعة الكارثة في أن يكون خليفة المسلمين هذا من أتباع دين لا يختلف عن دين مسيلمة الكذاب، ولكنه يبدو في أعين الكثير من المخدوعين وكأنه عمر بن الخطاب!

قد يكون الرجل مخلصًا في مشاعره الدينية تجاه «الإسلام»، وقد يظن أنه على الحق، وهذا غير مستبعد بتاتًا، ولكن ليس هذا هو المهم أبدًا. فالشيعة أيضًا يبدون في منتهى الإخلاص لدينهم والاقتناع به والاستعداد للتضحية من أجله. وكل الفرق المنحرفة الضالة والمضلة تعتقد أنها على الحق، وتبدي عاطفة قوية صادقة تجاه معتقدها. لذلك فإن المهم فعلًا هو هل يعبر إسلام أردوغان أو إسلام الشيعة عن الإسلام الصحيح؟! الإجابة هي النفي بكل تأكيد.

لكل ذلك، تقع على عاتق المسلمين، وبخاصة الذين لجؤوا إلى تركيا مؤخرًا، مسؤولية كبيرة على صعيد دعوة الأتراك من أتباع الرومي ومريده أردوغان إلى الإسلام الصحيح، بدلًا من العوم على عومهم والغرق فيما يغرقون فيه من أفكار صوفية. فالامتنان لأردوغان لتكرمه باستضافة اللاجئين المضطهدين لا يعني أن نجامله على حساب ديننا، وأن نشارك في جريمة تقديمه للمسلمين كما لو كان المهدي المنتظر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد