لماذا نكتب؟! السؤال الذي لم أفكر في طرحه من قبل، ولم تصل إليه أذرع فضولي قبل العبور إلى صفحات الكاتب هشام آدم في كتابه «هرطقات في النقد الأدبي المعاصر».

ربما الإجابة كانت واضحة ببحثه الرائع بذاك الكتاب، لكني أحاول في هذا المقال الاستفادة بما أورده وكذلك فتح تساؤلات عديدة في ماهية الكتابة.

لنتفق أن المعرفة هي التي تشكل ثقافتنا والتي من خلالها نصنع الحضارة أو نكتفي بالتعبير عن مواقفنا في ركب التطور، فسواء الصنع أو التعبير يحتاج إلى ثقافة ما تنتج عن وعينا الاجتماعي الذي يعتبر المكون الأكبر للمعرفة، فالمثقف لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الظروف الاجتماعية التي تفرز تلك المعطيات بشكلها الموضوعي، ومن هنا نجد أن الكتابة تطورت بتطور الوعي، وقد يذهب ذلك التطور إلى الثورة اللوثرية في القرن الخامس عشر ضد الكنيسة حيث الشرارة الأولى للوعي الأوروبي المنفتح، أو بعد انتهاء عقود التجريف التي خلفتها الحرب العقائدية بين الكاثوليك والبروتستانت في القرن السادس عشر، لكن بدأ بزوغ واتساع مفهوم النقد مصاحبًا لحركات التنوير التي تلت الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر بأوروبا ليصبح الموروث الأدبي معبرًا عن ذاك الحراك الاجتماعي بشكل كبير آنذاك.

فالكتابة بشكلها الحديث ما بين فن الرواية والقصة القصيرة والشعر وخلافه من فنون الأدب، تتميز عن الكتابات والأبحاث العلمية بأنها تمتلك الظرف الذاتي والموضوعي بين جانبيها.

فهي شيء ضروري ليعبر الإنسان عن موقفه من العالم المحيط ويحدد انحيازاته، بل وربما ليشارك في الحركة العامة لتاريخ البشرية. فمن هنا نجد أن الكتابة تصلح لتكون فعلًا وردة فعل وتعبيرًا عن الظرفين الذاتي والموضوعي معًا كما أشرنا من قبل.

فهي فعل ذاتي لأن الكاتب بطبيعته البشرية في حاجة مستمرة للتعبير عن نفسه لأسباب تتجاوز الترف التعبيري أو الوجودي إلى البحث عن إشباع ذاتي وأمان اجتماعي وسط مجموعات بشرية ينتمي إليها، يصنع لنفسه بينهم التقدير الملائم في نسق من الحراك التفاعلي بين الفرد ومجتمعه.

أما عن كونها فعلًا موضوعيًّا فهو الأمر الأشد وضوحًا؛ فالإنسان يكتب لينقد مجتمعه ويعبر عن رفضه للهيكل القمعي الذي يفرضه المجتمع على القيم المختلفة أو التعسف السياسي، وربما الضغوطات الاقتصادية والاضطهادات الدينية وخلافه من الوسائل القهرية التي تضر بطبقته وانحيازه.

فمن خلال الفقرتين السابقتين نجد أن الإنسان يكتب ليعرف نفسه أولًا، ثم يكتب ليخلق التواصل بينه وبين المجتمع، ثم المرحلة الأخيرة هي تعريف المجتمع نفسه ونقده.

لا يؤمن كاتب بقوة كلماته أو جسارة قلمه في صنع تغيير ما في المجتمع حتى وإن كانت الكتابات نقدية أو ذات طابع ثوري، الحقيقة أن الكاتب يكتب لبيان موقفه الصريح من التاريخ الاجتماعي وما يتبعه من تطورات اقتصادية وسياسية ودينية، فهو يبادر لإيقاظ الأذهان في المقام الأول ووضع نفسه وأفكاره على الخريطة المجتمعية وبيان المحاور النقدية في سلوك المجتمع، قد تأتي الثورة في المرحلة الثانية كأشد المراحل تقدمًا وقد تزيد كتاباته من تعميق الظرف الموضوعي لدى القراء.

لكن على صعيد آخر نوع من الكتاب الذين لا يرغبون في دراسة المجتمع ولا يجدون في نقده فائدة مرجوة، بل اكتفوا بالتأقلم مع معطياته ومفرداته سلبياتها وإيجابياتها وصنعوا من خلالها شخصية الكاتب الذي يؤثر السلامة أو بمعنى آخر كاتب متخاذل، لذلك أجد أن الحديث عن هذا النوع من الكتاب لا يسمن ولا يغني من جوع، فذاتيتهم لا تؤثر على نطاق المجتمعية وكذلك تطورات المجتمع وصراعاته لا تجعل منهم سوى مسخ، وربما في أحسن الأحوال لسانًا للمجتمع دون نقد أو محاولات لتحسين المنتج الثقافي والأدبي من الناحية الموضوعية، وتظل كتاباتهم دربًا من العبثية التي قد تصل إلى الإفلاس على المدى البعيد لغياب التفاعل النقدي بين أعمالهم والمجتمع.

في مجمل الأمر الكتابة هي فعل إبداعي يحتاج فيه الكاتب لدمج أفكاره مع مشاعره الصادقة للتعبير عنها في صورة عمل يستحق صفة الوجودية، ولتصل إلى تأثير أكبر وهو الإلهام فالتراث الفكري الذي وصل إلينا مر بمراحل انتقاء عديدة كان الإنسان والمجتمع هو الحكم على جودتها، فكتابات كارل ماركس على سبيل المثال أنتجت تراثًا فكريًّا يعيد تعريف الطبقات مرة أخرى وينظر إلى حتمية الثورة وتطور معطياتها فينتج لنا مفاهيم اجتماعية تحملها الثورات على أعناقها، أما عن التراث الأدبي فكتابات نجيب محفوظ وماركيز وغيرهم تقدم لنا جوانب من النفس البشرية وعلاقتها بمعطيات المجتمع ونزاعها على السلطة أو التملك، وغيرها من المفاهيم التي يجدها القارئ في تلك الأعمال بواقعيتها المجردة أو واقعيتها السحرية، حتى الكتابات العلمية والتي تخلف لنا ثورات في فهم الإنسان لنفسه وتطوره وعلاقته بباقي الكائنات الحية كأبحاث دارون، هي موروث إنساني خالص يهدف لفهم أعمق للمجتمع ومتناقضاته.

في نهاية المقال، قد نجد أننا في حاجة لمعيار حقيقي للحكم على المادة الكتابية ومحتواها الإنساني، قد يكون أنسب تلك المعايير هو الحرية ونبذ السلطوية عن عنق الكاتب وكذلك القارئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الكتابة
عرض التعليقات
تحميل المزيد