بوتفليقة والنهاية المحتومة

بوتفليقة اسم لم يفارق الحياة السياسية الجزائرية منذ الاستقلال إلى غاية 2019، المقلب لصفحات تاريخ الرجل يجد أنه دخل التاريخ السياسي من أوسع أبوابه أصغر وزير للخارجية في العالم سنة 1963، وقبلها كان وزيرًا للشباب والرياضة، وها هي نوائب الدنيا تدور ولم تحابيه هذه المرة فالرجل خرج من الباب الضيق وتحت سخط وغضب شعبي عارم.

مخلفًا وراءه ألغامًا سياسية مفخخة يصعب تفكيكها ومفارقًا كرسي السلطة، الكرسي نفسه الذي تربع عليه بوتفليقة طيلة عشرين سنة، كرس ثقافة الرجل الواحد وأسس لنفسه حكمًا مطلقًا وصنع لنفسه إمعات والمتمثلة في (الشياتين) أي عبيد الحاكم حيث أصبحت الكثير من الأوساط السياسية الرسمية عاجزة عن مجرد التفكير فيه، رافضة لتصور وجوده أصلًا، بسبب ذلك الحيز الكبير الذي أخذه بوتفليقة في واقع الحال السياسي، كحاكم مطلق الصلاحيات لمدة عشرين سنة على رأس الدولة.

وضع أصبح فيه المخيال السياسي للنخب الحاكمة لا يتصور الجزائر من دون بوتفليقة، ما ولد تلك المواقف الكاريكاتيرية المرضية التي لم تعرفها الحياة السياسية في الجزائر من قبل، كتقبيل صور الرئيس ومصافحتها واخذ صور معها في غياب الرئيس نفسه. فقد انتقلت الجزائر على مستوى الممارسات والخطاب، وما يفترضه من ثقافة سياسية وبروتوكول، من «الأخ الرئيس» الذي كانت تتم مناداة الرئيس بومدين به وقبله بن بلة، إلى «فخامة الرئيس» التي فرضها بوتفليقة تأثرًا بثقافته المغربية وتقاليد المخزن المغربي، التي عاش شبابه الأول في ظلها.

بوتفليقة الذي استولى على صلاحيات دستورية تضاهي فعلًا ما يملكه الملك المغربي من صلاحيات، وقد تفوق على مستوى الممارسة والتعيينات في المناصب والإبعاد، بعد أن استولى على تلك الصلاحيات الممنوحة إلى رئيس الحكومة في الدستور المغربي، وحتى تلك الممنوحة إلى البرلمان والحكومة ورئيسها الذي حوله بوتفليقة إلى منسق لأعمال حكومة، من دون سلطة فعلية، بعد عدة تعديلات دستورية فتح فيها العهدات الرئاسية وقلص من صلاحيات المؤسسات السياسية لصالحه كشخص.

يخبرنا التاريخ السياسي للجزائر أن الرائد عبد القادر (الاسم الحربي لبوتفليقة)، هو الذي كان رسول قائد الأركان العقيد هواري بومدين، عندما كان يبحث عن رئيس للجزائر بين الوجوه التاريخية المسجونة في فرنسا يقدمه للجزائريين كرئيس، لمرحلة ما بعد الاستقلال. الرائد عبد القادر يكون قد اختار بن بلة، ليس لأنه ابن تلمسان مثله فقط، بل لأنه كان الأكثر قبولًا بالدور المطلوب منه تأديته، تحت سيطرة العسكر وقائدهم الذي كان من دون شرعية تاريخية حتى تلك الفترة مقارنة بآيت أحمد، بيطاط أو محمد بوضياف، الذي تقول الرواية السياسية أن بومدين كان يفضله عن بقية الزعماء المسجونين، لكنه رفض عرض الشغل كرئيس جمهورية عند العسكر، المقترح عليه.

فقد كان الشرط الأول عند هؤلاء الحكام الفعليين الجدد، وهم يبحثون عن رئيس يحكمون من ورائه، أن يكون من دون شخصية قوية، مطواعًا، وهو ما جعل الرائد عبد القادر ينصح بابن بلة، بدل بوضياف الذي رفض عرض العسكر وطلب منهم الكف عن الاشتغال بالسياسة، حسب الكثير من المصادر المكتوبة والشفهية.

لم يمنع هذا الضعف من إبعاد بن بلة نفسه، عندما حاول تملك مصادر القوة والاستقلال عن الدور المطلوب منه تأديته، ليختفي عن الأنظار في السجن، لغاية التأكد من أنه لم يعد قويًا ولا يشكل أي خطر على النظام ورجاله، حينها فقط سمح له بالعودة إلى البلاد في 1990 ومعه بعض المناضلين القدماء الذين كوّن معهم حزبًا ضعيفًا، من دون تأثير، لم يكن يؤمن به هو كابن لهذه الثقافة السياسية المعادية للحزب والعمل السياسي الجماعي.

السيناريو نفسه تقريبا تكرر مع الرئيس الشاذلي الذي تؤكد كل الشهادات على أنه اختير لاحتلال موقعه كرئيس لأنه من دون كاريزما سياسية مقارنة ببوتفليقة، أو يحياوي، أو آخرين كانوا مرشحين محتملين لهذا المنصب بعد وفاة بومدين. فالرئيس المطلوب بعد بومدين، صاحب الشخصية القوية، لا بد أن يكون ضعيفًا.

بعد أن «تعب» النظام ونخبه من الحضور القوي لبومدين، الذي فرض نفسه كأول مؤسسة، بسرعة غريبة لم تكن متوقعة من هذا العسكري الخجول، ابن الريف الفقير. الشيء نفسه حصل نسبيًا مع الشاذلي الذي تحول مع الوقت إلى «رئيس قوي» هو الذي تم اختياره لأنه ضعيف، ومن دون كاريزما سياسية.

لتكون الإقالة المغلفة باستقالة هي الوجهة التي اختارها له من جاؤوا به إلى السلطة. حظ الرئيس بوضياف كان أسوأ بكثير من المصير الذي لاقاه الشاذلي، فقد اغتيل الرجل على المباشر تقريبًا، بعد أن بين بسرعة انه لم يأت لتطبيق تعليمات، وأنه يملك تصورًا مستقلًا لأوضاع البلد، وأنه بدأ في التفكير في خلق قاعدة اجتماعية مؤيدة له، مستقلة، تضمن له مصادر القوة، في ذلك الظرف الصعب الذي كانت تمر به الجزائر.

لنكون أمام معضلة سياسية فعلية، تعبر عن نفسها في هذا الرفض الذي يبديه النظام السياسي ونخبه للرئيس القوي وتفضيل الرئيس الضعيف كل مرة، فلا رئيس بعد الرئيس، في نظام سياسي ضعيف الإنتاجية أصلا عندما يتعلق الأمر بالنخب السياسية الفاعلة وصاحبة المواقف. مصير كان قد عرفه بوتفليقة شخصيًا خلال فترة حكمه الأولى لغاية نهاية عهدته الثانية. حين حورب أثناءها ومنع من أن يتحول إلى رئيس قوي، رغم معرفته الدقيقة بالنظام ورجاله من الداخل منذ وصوله إلى عضوية الحكومة شابًا صغيرًا كوزير (25 سنة فقط)، مباشرة بعد استقلال البلاد في 1962.

ثقافة سياسية ترسخت مع الوقت، تفضل الشخص على المؤسسة، والضعيف على القوي، قد تكون ثقافة مشتركة بين المواطنين الجزائريين الذين يفضلون التعامل مع الأفراد وليس المؤسسات مهما كانت، وراءها أسباب أنثروبولوجية وتاريخية عميقة، هي التي تفسر المصير الذي يلقاه الحزب والبرلمان والحكومة كمؤسسات داخل هذه الثقافة السياسية المشخصة. ثقافة تفسر لماذا لا تتم العودة إلى هذه المؤسسات السياسية الدستورية على علاتها، لحسم قضية الأزمة وإيجاد حلول في إطار الدستور وتحت مراقبة المواطنين الجزائريين، تكون بوابة لانتخابات شفافة، تنتج رئيسًا شرعيًا وقويًا بالضرورة، بدل البحث عن الحلول داخل «ندوات» للدخول في مرحلة فراغ دستوري ولتعين رئيس ضعيفًا لخدمة استراتيجيات عصب وقوى سياسية غير مرئية، تريد البقاء في السلطة حتى إن تم تغيير الواجهة التي تحكم وراءها.

تحيا الجزائر والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد