هناك عدة تفسيرات لهذا الدعم غير العادي وغير المشروط الذي تقدمه دولة كبيرة كالولايات المتحدة لـ”إسرائيل”يمكن إجمالها في أربعة أسباب رئيسة: سيكولوجية، وعقائدية، وسياسية، وإستراتيجية.

سيكولوجية نفسية: الهولكوست عقدة ذنب مزمنة

لا شك أن الغرب عمومًا وخاصة أوروبا تشاطر أمريكا دعمها لـ”إسرائيل” لأسباب متعددة -سنعرضها بتفصيل- وتزيد عليها بإحساسها المفرط بعقدة الذنب وتأنيب الضمير الناتجة عمّا تعرض له اليهود على أراضيها خلال الحرب العالمية الثانية من محارق، تم تضخيمها إعلاميًّا بشكل كبير لابتزاز أوروبا واستدرار تعاطفها، وهي الخارجة لتوها من الحرب ممزقة الضمير، مثقلة بالندم، وقد عملت وسائل الإعلام على ترسيخ هذا الشعور في الوعي الجمعي للأوروبيين حتى صار من أكبر أساطير هذا القرن، وقد يكفي أن نعلم أن مؤتمر إيباك لهذا العام عزف على نفس الوتر، لإنعاش الذاكرة الغربية التي شوشت عليها صور الهمجية الصهيونية في مجازر غزة وقانا، برفع شعار “إسرائيل: أخبري القصة”، فدائما استعمل الهولكوست ومعاداة السامية في كل المحافل كفزاعة تاريخية وقانونية لقمع كل من تسول له نفسه التشكيك في المحرقة حجمًا ورقما، ووسيلة للابتزاز الأخلاقي والعاطفي.

عقائدية أيديولوجية: مملكة صهيون حلم مشترك

على الرغم من أن الدستور الأمريكي يعتبر نظام الحكم في الولايات المتحدة نظامًا “علمانيا” لا يتبنى دينًا معينًا في الدولة أو الحكومة بحكم التنوع العرقي والديني وحتى الطائفي والمذهبي، إلا أنه من المعلوم أن الشعب الأمريكي في معظمه شعب بروتستاني متدين يشترك في خلفيته الدينية إلى حد بعيد مع العقيدة اليهودية التلمودية، ويلعب الدين دورًا أساسيًّا في الحياة السياسية، وقد تفاقم هذا الدور مع وصول المحافظين الجدد إلى السلطة وهو عامل أساس ومحدد في العلاقة مع الصهاينة، وهذا ما نستشفه من تصريحات الرؤساء الأمريكيين.

فمثلا: الرئيس “جيمي كارتر” أعلن صراحةً في خطاب له أمام الكنيست سنة 1979م أن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل هي علاقة دينية في الأساس، وكان مما قاله “إن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة، لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تقويضها؛ لأنها متأصَّلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي”، وكذلك حين قام “رونالد ريجان” بزيارة المنظمة اليهودية أثناء حملته الانتخابية، “بناي برث” في واشنطن خطب قائلًا: “إن إسرائيل ليست أمة فقط، بل هي رمز؛ ففي دفاعنا عن حق إسرائيل في الوجود، إنما ندافع عن ذات القيم التي بُنيت على أساسها أمتنا”.

ولنأخذ فكرة على أهمية هذا العامل وحضوره، نذكر أنه في مؤتمر إيباك المنعقد في مارس الماضي شارك خمسون من القيادات الإنجيلية الأميركية الوازنة والمؤثرة في السياسة (غاري بوير، وجيري فالويل، ورالف، وديك آرمي، وتوم ديلاي)، وقد خصص المؤتمر جزءًا من أشغاله لمحور -صار قارا في جدول أعماله منذ سنوات – دعم المسيحية الصهيونية لـ”إسرائيل” في حلقة عنوانها “أصدقاء في الدين” تبحث “جذور المسيحية/الصهيونية، وتبحث عن أجدى السبل التي يمكن من خلالها للمسيحيين المؤيدين لـ”إسرائيل” واليهود العمل معًا في الميدان السياسي لتعزيز أمن إسرائيل”.

فأغلب البروتستانت عمومًا وخاصة الإنجيليين منهم يرون في عودة اليهود إلى فلسطين استكمالا للنبوءات الدينية المسيحية، ويعتبرون قيام دولة “إسرائيل” علامة من علامات القيامة، فـ”مملكة صهيون” عقيدة يشارك البروتستانتيون المنكبون على تلاوة التوراة اليهودَ فيها. يضاف إلى ذلك الرؤية الليبرالية، التي ترى أن اليهود تعرضوا -عبر التاريخ- لاضطهاد وأن مشروع الحداثة الغربي لا يكتمل بدون رفع ذلك الظلم والتكفير عنه، كما أن الأمريكيين يجدون تشابهًا كبيرًا بين نشأة “إسرائيل” ونشأة الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية الاعتماد على سياسة الاستيطان لتكوين الدولة، وفي المحصلة فاليهود إن كانوا يمثلون روح الجاهلية والاستكبار العالمي فأمريكا هي جسمه وصورته المادية، لهذا نرى هذا التطابق الغريب في السياسات والمواقف.

سياسية إعلامية: اللوبي اليهودي طابور خامس

لم يعد خافيًا على أحد الدور الذي يقوم به اللوبي اليهودي في صناعة القرار الأمريكي وما يمارسه من ضغوطات على الكونغرس بشكل علني عبر منظماته الأخطبوطية المتعددة العاملة، خاصة منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، حيث استطاع التأثير على الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بل استطاع لاحقًا مع إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، أن ينتقل من مرحلة مجرد التأثير على السياسة الأمريكية إلى مرحلة السيطرة على زمام الأمور وعلى عملية صنع واتخاذ القرار الأمريكي.

وتلعب إيباك دورًا خاصًّا في هذا، ففي محاضرة بعنوان “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية” للدكتور ستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، والدكتور جون ميرشايمر منظّر العلاقات الدولية في جامعة شيكاغو، عن تأثير “اللوبي الإسرائيلي” في سياسات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، نشرتْ بعضًا من مضامينها صحيفة London Review of book في مارس 2006، أن منظمة “إيباك” تعتبر أقوى المنظمات وأكثرها تأثيرًا. وأن قوة اللوبي الصهيوني مستمدة من طبيعة السياسة الأمريكية ذاتها ومن حيوية شبكة العلاقات التي صاغتها مجموعة المنظمات التي تمثل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويعمل اللوبي الصهيوني على كل مستويات القرار السياسي من الرئاسة إلى الكونغرس مرورًا بالمحكمة العليا. ويتحدث الكاتبان عن أن لجان العمل السياسي الموالية لـ”إسرائيل” أعطت أكثر من خمس وخمسين مليون دولار لأشخاص مختلفين خاضوا الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية. أما لجان العمل السياسي للعرب فلم تقدم أكثر من 800 ألف دولار أمريكي في نفس الفترة. وإيباك تبلغ ميزانيتها السنوية نحو 50 مليون دولار وهي معروفة بنشاطها الكبير في واشنطن، وبشكل خاص في الكونغرس، حيث تساعد في مشروعات القوانين وتقديم معلومات للنواب والشيوخ. و”اللوبي” يتبع إستراتيجيتين عريضتين لتشجيع دعم الولايات المتحدة لـ”إسرائيل”:

  • الأولى سياسية: عبر الضغط على الكونغرس لدعم “إسرائيل” على نحو لا ينقطع، باستصدار قرارات لصالح “إسرائيل” أو معارضة القرارات التي قد تمس مصالحها في العالم.
  • الثانية إعلامية: عن طريق ترويج خطاب إيجابي عام حول “إسرائيل”، عبر ترديد أساطير عنها وعن تأسيسها، إضافة إلى الدعاية للجانب “الإسرائيلي” في النقاش السياسي عبر وسائل الإعلام المملوكة في أغلبها لصهاينة، وكذلك من خلال مراكز أبحاث ودراسات يشرف عليها يهود.

لذا فليس مستغربًا أن يعترف مجموعة من السياسيين الأمريكيين وفي مقدمتهم الرئيس بيل كلينتون “بأن إيباك هي أفضل من أي طرف آخر يمارس الضغط في واشنطن”.ويشاطره نيوت جانجريتش، عضو الكونغرس، الرأي فيعتبر “أن إيباك أكثر جماعات المصالح العامة تأثيرًا في الكون”.ويؤكد “لي هاملتون” أنه لا يوجد جماعة تشبه إيباك فهي تشكل مرتبة بحد ذاتها كما قال السيناتور فريتس هارلينجز “لا يمكنك أن تتبنى سياسة تجاه “إسرائيل” سوى ما تعطيه لك إيباك”.

 اقتصادية إستراتيجية: إسرائيل حارس أمين

إلى عهد قريب كانت المنطقة العربية بسبب موقعها الجغرافي، وبسبب ما يوجد في باطن أراضيها من مخزونات بترولية إستراتيجية؛ تعتبر منطقة صراع على النفوذ بين الغرب بزعامة أمريكا والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي، في إطار ما أطلق عليه الحرب الباردة.

وكان من الضروري على الغرب أن يوجد حليفًا إستراتيجيًّا يكون بمثابة قاعدة متقدمة تشكل اختراقًا في منطقة النفوذ الشيوعي للحد من امتداده، خاصة بعد أن استطاع أن يكسب حلفاء كثرًا في المنطقة العربية على رأسهم سوريا ومصر. وقد تزايدت هذه الضرورة بعد حرب 73 التي جعلت من أولى أولويات أمريكا السيطرة على مصادر النفط بشكل مباشر -وهو ما تم فعلا بعد عاصفة الصحراء- لضمان تدفقه عوض مراقبته عن طريق شريكها في المنطقة “إسرائيل”. التي اكتسبت هذا الدور وهذه الأهمية -إضافة إلى الأسباب سابقة الذكر- أي الشراكة في نفس القيم إلى الشراكة في المصالح، فـ”إسرائيل” تمتلك موقعًا جغرافيًّا، يخدم الوجود الأمريكي في المنطقة، وأيضا بنية تحتية وقدرات لوجستية تميزها عن بقية حلفاء الولايات المتحدة، إضافة إلى القدرة الدفاعية القادرة على حماية المصالح الأمريكية في المنطقة والتي تمكنها من إمكانية التدخل العسكري المباشر أو بالوكالة، وحرب لبنان الأخيرة خير مثال على ذلك.

لكل هذه الدوافع والعلل تدعم أمريكا “إسرائيل”بهذا الشكل. فهل يمكن أن نراهن يومًا على إحداث اختراق في هذه “العلاقة الفريدة” حسب تعبير جيمي كارتر؟ الجواب الذي رجحناه من خلال تبنينا للقراءة الثانية هو نعم وذلك باتباع الخطوات التالية:

  • المراهنة بشكل أكبر على أوروبا والصين وروسيا كفاعلين في ملفات الشرق الأوسط.
  • اللعب على التناقض المصلحي الحاصل الآن في هذه العلاقة.
  • تشكيل لوبي إسلامي عربي سياسي واقتصادي وإعلامي في أمريكا.
  • اختراق المنتديات الدولية والمنظمات العالمية الحقوقية لعزل “إسرائيل”.
  • الرهان على الرأي العام والمجتمع المدني دوليا وعربيا.
  • التسويق الإعلامي والسياسي الجيد للمعاناة الفلسطينية خاصة في شقها الإنساني.
  • استغلال التحولات الكبرى على مستوى خريطة الأديان في أمريكا.
  • الرهان على النخب اللائيكية والتيار البرغماتي داخل الإدارة الأمريكية وكذا التيارات الوطنية.
  • السعي لإقامة أنظمة سياسية عادلة وديمقراطية، ذات سيادة وقرار مستقل، غير تابعة ولا خاضعة، هي أولى الأولويات وأول خطوة على درب تحرير فلسطين.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد