لماذا تقف دولة كالصين بوجه الولايات المتحدة لدعم إيران وعلى ماذا قد تراهن؟!

إيران التي اعتادت أن تظل معزولة، تحظى منذ زمن بأصدقاء، منهم أصدقاء حقيقيون، تجمعهم وحدة المعاناة والعدو، وكذلك التفكير المتقارب، مثل كوريا الشمالية، التي يعود لها الفضل في كثير من ملفات القوة الإيرانية، وبالأخص ترسانتها الصاروخية والباليستية؛ أي ذراعها الطولى، واستراتيجيتها الرادعة، ومنهم أصدقاء بشكل أقل، وحلفاء حسب الظروف، كروسيا والصين، وليس خافيًا على متابعي الأزمة الإيرانية الموقف الصيني المتذبذب ما بين رفض القرار الأمريكي وتحميلها المسؤولية، وأحيانا التعاطف المتخفي والجار الحليف صاحب الأبواب المفتوحة لإيران، لكنه لا يميل أبدًا للجانب الأمريكي، ففي تصريح أخير أدلى به مسؤول صيني في قمة العشرين باليابان قائلًا: «نحن لا نتبنى سياسة (تصفير واردات النفط الإيراني) التي تنتهجها الولايات المتحدة. نرفض الفرض الأحادي للعقوبات»، لتلوح الولايات المتحدة بورقة العقوبات، ليظهر تقرير أخير أبلغ عنه موقع (تانكر تراكرز TankerTrackers)، وأيده الإعلام الرسمي في الجمهورية الإسلامية بالصور، أن الصين استلمت بالفعل في الأيام القليلة الماضية شحنة نفط ضخمة من إيران، وسبقتها كذلك شحنة للنفط الإيراني من ماليزيا، مما يوضح الخرق الصيني للحظر الأمريكي، لكن السياسة التي لا تعرف المجاني، كما أنه لا يوجد أصدقاء دائمون فيها ولا أعداء، لا تجد هذا الموقف مستغربًا، إذ يمكن لأسباب أن تجعل هذا الدعم معقولًا وله ما يؤيده من خلال قراءة ما يلي:

1- المعسكر الموحد: تنتمي الصين، وكذلك روسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، وغيرهم بشكل على الأقل إطاري، للمعسكر الشرقي، الذي كانت تمثله الاشتراكية يومًا ما، التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط أفكاره، لكنها ظلت فكرة رمزية تحمي دولًا من الانزلاق في محيط الرأسمالية الغربية وأمواجها العاتية، ورغم أن إيران لم تختر هذا المعسكر وإنما فرض عليها بشكل أو بآخر، باتت في النهاية جزءًا منه، وغالبًا ما تقاربت تلك الدول وتحالفت في شكل دعم، ولو كان محدودًا، في وجه العالم الغربي، وطغى على شوارعها وأسلحتها وسياستها ذلك الطابع المميز.
والعلاقة بين إيران الإسلامية وبكين قديمة قدم حرب الثماني سنوات مع العراق، وبعدها تطور التحالف، وظهر منه الشكل العسكري متمثلًا في الصواريخ الصينية في الترسانة الإيرانية وغيرها، وكذلك الشكل الاقتصادي، وأيضًا فيما تعلق بموقع إيران الحيوي على طول حزام الصين وطريقه، وكذلك مبادرات سلسلة اللؤلؤ، إذ تعد إيران هي حلقة الوصل في الحزام الممتد من جنوب آسيا وحتى غرب أوروبا، بالإضافة للتعاون الممتد في العديد من الملفات والقضايا.

2- ورقة ضغط: الحرب الاقتصادية بين أمريكا والصين سجال طويل، ازدادت وتيرته منذ قرابة العام، بعد فرض جمارك على البضائع الصينية في واشنطن، لترد بكين بالمثل، وتتصاعد الأحداث والعقوبات لتبلغ ذروتها بحظر واشنطن عملاق التكنولوجيا الصيني ودرّته «هواوي»، وفي ظل تصاعد الحرب وامتدادها، تبدو إيران وحساسيتها ورقة جيدة يمكن الضغط من خلالها على الإدارة الأمريكية، التي تتقن فن العصا والجزرة.

3- خالف تَسُد: يقال: «إن كنت ورئيسك تتفقان في الرأي، فبالتأكيد أحدكما ليس له فائدة»، وفي الحقيقة لا يمكن أن تكون قائدًا إن كان هناك من يملي عليك ما تفعله، الصين دولة ذات طموح لا حدود له، باتت بفضله قوة عظمى، ترفض أن يملي عليها أحد ما يجب فعله وما لا يجب، خاصة إذا كان غريمها الذي لا تسير بينهما المياه كما يجب في أمور عديدة، منها مشكلات بحر الصين الجنوبي، والاتفاقيات الاقتصادية وغيرها، وكذلك بكين هي إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية النووية الإيرانية، والمنوط بها حماية الاتفاقية، مما يضعها في حرج، وفي النهاية لا يمكن أن تقبل دولة بهذا الحجم والطموح أن تكون مجرد تابع وعصا، ويضرب بها ويمنع، إن هذا لا يصب سوى في مصلحة سيدك.

4- النفط الرخيص: إن كان هناك دولة فقيرة الموارد كالصين، ضخمة التعداد، اقتصادها مبني بشكل جذري على التجارة والصناعة بصورها المختلفة، فبالطبع سيساوي بالنسبة لها العامل الاقتصادي كثيرًا، وإيران التي تعرف كثيرًا من أين تؤكل الكتف، تبيع نفطًا بقيمة أقل من السوق العالمي في محاولة منها للوصول بصادراتها النفطية لتخطي أثر العقوبات الأمريكية، وأيضًا تشارك الصين باستثمارات كبيرة في حقول النفط الإيرانية، وبإضافة هذا العامل إلى العوامل السابقة، سيبدو جديرًا بالاعتبار والجهد.

ومؤخرًا صدرت تقارير عن الخارجية الأمريكية تدرس منح إعفاء لبكين لاستيراد النفط من إيران، بحسب ما أفادت صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية، وذلك باللجوء لثغرة في قانون سابق، في خطوة يقول عنها بعض الخبراء إن وزارة الخارجية ربما تكون قد لجأت لهذا الحل؛ لأنها لا تملك سوى القليل من الخيارات لمعاقبة بكين على اتخاذها هذا الموقف المتحدي، أيًّا كان الوضع، فإن الولايات المتحدة باتت تدرك حجم العملاق الصيني الذي لا يمكن تغافله، وهذا بالضبط ما تطمح له الصين وتأمله حليفتها المعزولة إيران، لتحقيق بعض من الموازنة ضد الضغط الأمريكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد