الفكرة الشائعة أن الله يهدي الصالحين هداية خاصة، فيلهمهم بالحقيقة، ويزيد العاصين ضلالًا ويحجب قلوبهم عن الهدى!

ومن هنا وجدنا من يقول: الله ألهمني وهداني للإسلام. وآخر يقول: العذراء جاءتني وهدتني للمسيحية. وآخر يقول: رأيت في المنام الرسول يهديني للحق في مسألة حيرتني!

كما وجدنا من يقول إن الوصول إلى الله لا يحتاج علمًا ولا نظرًا، بل يكفي حسن النية، والله سيهدي قلبك للحق، ولما ترك نفسه لتسوقه يد الله، ما اهتدى وما وصل!

وساد تخوف أن الله يمكن أن يضلنا ويقلب قلوبنا إلى الكفر!

وقال البعض: أنا أبحث بحسن نية، لكن لا أجد هداية إلهية ترشدني، لماذا؟ أين هُدى الله!

كل ذلك يلح بإعادة النظر: هل الله يتدخل في نوايانا، ويزرع في عقولنا الهدى؟ ما معنى اسم الله الهادي؟ ما معنى الآيات التي تنسب الهدى والضلال إلى الله؟ هل الله يضل، يغوي، يزين الباطل؟

الحرية البشرية

مفهوم التدخل في النوايا يقلب الحقيقة تمامًا؛ إذ الله يعلم من البداية من يستحق الجنة والنار، لكن لو أدخل أحدنا الجنة وآخر النار، لقال صاحب النار: أنا على خير، واختبرني ستجدني صالحًا. لذا كانت الدنيا ساحة يتحرك فيها البشر بكامل حريتهم، وتُسجل أعمالهم، حتى يوم الحساب نواجه بالحجة الدامغة: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، وبذلك فالقاعدة الأساسية للحساب: الحساب على أعمال البشر، وليس على علم الله. وكي تتحقق هذه القاعدة يجب أن يكون البشر في كامل حريتهم للاختيار.

الله الهادي

شاءت حكمته سبحانه أن يخلق كونًا منظمًا، دقيقًا، محكمًا. ومن ثم بات هذا الكون آية من آيات الله، يشير انتظامه لوجود صانع حكيم، وكل بحث علمي عن جلال الكون، وتعقيد التركيب البيولوجي، وجمال الطبيعة، هو رسول هادٍ للبشر.

كما خلق عقولًا أمدَّها بالمبادئ العقلية لتصبح منطقية عقلانية. ومن ثمة اتسع وتباين الفارق الكمي والنوعي بين الحيوان والإنسان، ومن هنا بات الإنسان حاملًا لدلائل الهداية بين جنبيه، فهو نفسه أحد أدلة الخالق.

كما أمدَّ العقول بالقدرة على التمييز بين الحسن والقبح، فعرفت البشرية عالم الأخلاق والقيم والمبادئ.

وأرسل سبحانه رسلًا مبشرة ومنذرة، ومع كل رسول علامة خارقة لقوانين الكون.

كما أنزل كتبًا هادية وتشريعات مبينة.

تلك هي الهداية الإلهية التي ارتضاها سبحانه للبشر، أما التغافل عن كل هذه الدلائل وإهمالها، واعتبارها غير كافية، لمطالبة الله أن يهدي كل إنسان هداية خاصة، أن يهمس في كل أذن بطريق الحق، وأن يُنزل خارقة لكل امرءٍ ليهتدي، وأن يزرع الإيمان في القلوب، هو مكابرة على الحق، وتعنت في الهدى.

الآن نتطرق للمفهومين الشائعين المختلين: الله يضل! الله يهدي هداية خاصة يزرعها في القلوب!

أولًا: الإضلال

عقلًا نجد عدة أسباب تنفي أن يضل الله عباده:

– الإضلال بمعنى الإغواء وتزيين الباطل هو قبح في ذاته، وقد نسبه الله إلى الشيطان، (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ)، ونسبه إلى فرعون، (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى)، فكيف يفعل الله من ذم الآخرين عليه؟!

كما ذكر القرآن الذين يضلوا الناس في أبشع صورة، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ)، فكيف يجوز بعد كل هذا نسبة الإضلال والإغواء إلى الله؟

يقول الرازي: معنى الإضلال عن الدين: هو الدعوة إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه. واعلم أن الأمة مجمعة على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى، لأنه تعالى ما دعا إلى الكفر، وما رغَّب فيه، بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه(1).

  • وإذا أغوى الله أحدًا، كيف يدعوه للإيمان؟!
  • وحتى لو قلنا إن الله يزيد من ضلال الضالين، فالمعاصي التي يرتكبها الضال بعد أن أغواه الله، كيف يُحاسَب عليها؟
  • هل يُعقل أن يعاقب الله الضال بالمزيد من الضلال؟ فكيف نقول: إن الله لما وجد شخصًا شريرًا، قتل نفسًا بغير حق، زاده الله من ضلاله، فجعله يقتل ألفًا بغير حق؟!

يقول القاضي عبد الجبار: لا يجوز أن يكون الجزاء على الفعل هو نفس الفعل(2).

إذًا فالعقل ينفي تمامًا نسبة الإضلال إلى الله.

أما عن الآيات التي يشير ظاهرها أن الله يضل ويغوي عباده، فلفظ يضل في القرآن يحمل معنيين:

1- (أضل الله فلانًا) أي عاقبه وأهلكه:

يقول الشريف المرتضى: إن الله أضل الكافرين، أي (عاقبهم وأهلكهم) عقوبة لهم على كفرهم، ولم يضلهم عن الحق، ولا أضلهم بأن أفسدهم، ودليل ذلك:

(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ)، يعني في هلاك وسعر؛ إذ ليس في الآخرة ضلال بمعنى كفر أو فسق؛ لأن التكليف زائل في الآخرة. كما قال: (بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ)(3).

ويقول القاضي عبد الجبار: الضلال: الأصل فيه أنه الهلاك، ويجوز أن يضاف الضلال إليه تعالى، بمعنى أن يذهب بهم عن طريق الجنة إلى طريق النار(4).

وبذلك نفهم قوله تعالى:

(وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ)، أي فريقًا نجى، وفريقًا حق عليه العذاب.

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)، ما كان الله ليُهلِك أو يعذِّب أحدًا إلا بعد البيان والإرشاد.

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، يرسل الله الرسل بلسان قومهم ليقيموا الحجة عليهم، وطالما أُقيمت الحجة، فالله يُهلِك ويثيب من يشاء.

(إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ. ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ)، كذلك يعذب الله الظالمين.

(وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)، من يُهلِكه الله بالعذاب، فلن يستطع أحد إنقاذه. وفيه تعريض لآلهتهم وشركائهم، فهل يستطيعون حمايتهم من عذاب الله؟!

(فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)، من يقدر أن ينجي من يعذبه الله؟!

2- (أضل الله فلانًا) أي حكم عليه بالضلال

وهذا مثل قولك: فلان كفَّر فلانًا وفسَّقه، أي حكم عليه بالكفر والفسوق، وليس جعله كافرًا(5). ومثال ذلك:

(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)، ظاهر الآية كأن بعض المؤمنين يحاولون هداية المنافقين، فنزلت الآية تنهاهم، وتقول أن الله هو الذي أضلهم، فكيف تهدوهم؟! وهو فهم عجيب!

في غزوة أُحُد انشقت جماعة من المنافقين، وتركوا ساحة القتال، فاختلف فيهم الصحابة، فقالت جماعة: نقاتلهم. وقال آخرون: لا يحل دمهم، فهم مسلمون. والنبي صامت بينهما، فنزلت هذه الآية لتعلن صراحةً حكم الله فيهم بأنهم جماعة منافقة وضالة.

وقوله تعالى: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)، لم تنزل لتنهى عن محاولة هدايتهم، بل نهت عن الحكم عليهم بالهداية، وبالتالي فمعنى الآية: أتريدون أن تحكموا بالهدى على من حكم الله عليهم بأنهم ضالين؟! مثلما يحكم أحد ببراءة شخص، قد حكمت المحكمة بإدانته، فنقول: أتريدون أن تبرئوا من جرَّمته المحكمة؟ وبالطبع لا نعني بقولنا جرَّمته المحكمة أن المحكمة جعلته مجرمًا، بل حكمت عليه بالإجرام.

يقول القاسمي: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)، أي: أتريدون أن تعدوهم من جملة المهتدين؟(6). وهو ما قاله الزمخشري(7).

ونجد بعض الآيات يشير ظاهرها أن الله يحجب قلوب البعض عن الحق، فنحلل هذه الآيات:

  • (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ).

(طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا).

(وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا).

لا يمكن فهم الآيات على ظاهرها لسببين:

أولًا: نقل القرآن قول الكفار: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ)، (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ)، فقد ادَّعوا وجود حائل يمنعهم عن الإيمان، كأن الله منعهم عن الهدى! وقد ذمهم على هذه الادعاء الباطل، لذا فيستحيل أن يمنع الله قلوبهم عن الهدى ويقر نفس الكلام الذي ذمهم عليه!

ثانيًا: واقع حال الكافرين في زمن النبي وفي كل زمان ينفي وجود غشاوة حقيقية على العين أو سد في الأذن!

وإنما المقصود بالآيات هو تشبيه ووصف حالهم، كأن قلوبهم وأسماعهم وعيونهم أصبحت مسدودة عن الحق. وهو مثل وصفهم بالصم والبكم في مواضع أخرى حين قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).

وقد صرح القرآن في موضع آخر بتشبيه حالهم بمن سُد أذنيه بالوقر، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا).

يقول ابن عاشور: ليس الختم على القلوب والأسماع، ولا الغشاوة على الأبصار هنا حقيقة، بل ذلك جار على طريقة المجاز بأن جعل قلوبهم – أي عقولهم – في عدم نفوذ الإيمان والحق والإرشاد إليها، وجعل أسماعهم في استكاكها عن سماع الآيات والنذر، وجعل أعينهم في عدم الانتفاع بما ترى من المعجزات والدلائل الكونية، كأنها مختوم عليها ومغشي دونها(8).

ويقول القاضي عبد الجبار: هو تشبيه لحالهم كأنه طُبع على قلبهم وسُد سمعهم(9). وهو نفس ما قاله محمد رشيد رضا(10).

  • (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)، فهمها البعض أن الله يزيد كفرهم!

لكن يقول القاضي عبد الجبار: المرض فى حقيقة اللغة لا يُعقل فيه الكفر، ولذلك لا يوصف الكافر بأنه مريض ولا الفاسق، كما لا يوصف المؤمن لأجل إيمانه وزوال الكفر عنه بأنه صحيح. وقد يكون مؤمنًا مريضًا، وكافرًا صحيحًا.

والمراد بالآية: ما قاله أبو علي الجبائي من أن في قلوبهم غمًا وقلقًا بأحوال النبي وعِظم نعم الله عليه، فأراد بقوله: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)، يعنى: غمًا، بأن زاد فى تعظيم النبى وعظم أحواله، وعرفهم ذلك، فكان ذلك هو الغم الذي فعله في قلوبهم، ومرض القلب لا يُعقل في اللغة إلا الغم. ولذلك يقول الفصيح فيمن أخبره بما يسوؤه: قد أمرضت قلبي(11).

  • (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ).

الآيات في القرآن تُطلق على آيات الكتاب أو معجزات الأنبياء، والسياق هو المرجح بينهما.

وآيات الكتاب لا يصرفها الله عن المتكبرين، بل يسمعها كل أحد، المتكبر والعابد.

وسياق الآيات، بل سياق سورة الأعراف، كله يدور حول تكذيب الأقوام بمعجزات أنبيائهم.

ومن هنا كان المقصود: من وقعت عليهم الحجة، وظهرت أمامهم المعجزة، ثم استكبروا وأعرضوا، وعُلم من حالهم أن زيادة المعجزات لن تفيدهم، فلن يرسل الله إليهم مزيدًا من المعجزات؛ لأنهم (إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا).

ومما يؤكد ذلك الإقرار بوصول المعجزات إليهم من قبل، فقال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ).

ويحتمل النص معنى آخر: سأحمي آياتي ورسالاتي وأدفع عنها كل متكبر يريد إبطال الدين. وهو ما اختاره الكعبي والاصفهاني(12) وابن عاشور(13) والجصاص(14).

  • (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا).

يقول القاضي عبد الجبار: أخطأوا في ظنهم أن الفتنة هي الكفر، وقد سمى تعالى العذاب فتنة، فقال: (هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)، وأراد به العقوبة. وقد سمى الامتحان بالتكليف فتنة، ولهذا قال تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ).

والمراد بالآية: أن من يرد الله أن يعاقبه لكفره وسوء فعاله، فلن تملك له من الله شيئًا.(15).

***

ثانيًا: الهداية الخاصة

نجد عدة أسباب عقلية تنفي وجود هداية خاصة، منها:

  • الادعاء بأن الله يتدخل في هداية أحد بشكل استثنائي شخصي، كإلهام في القلوب، وإمداده بعلم وهدى له وحده، يعني محاباة وعدم مساواة في الفرص!
  • الهداية الخاصة تفضي لترك العلم والاجتهاد والنظر الذي أمر الله به؛ إذ كل إنسان يحسن نيته وينتظر هدى الله يُقذف في قلبه!
  • لو تدخَّل الله ليهدي القلوب من عنده، لكان المهتدي لا يستحق المدح ولا الجزاء؛ لأنه ليس من فعله!
  • الدنيا دار اختبار وليست دار جزاء، أما جزاء المهتدين فهو في الآخرة.
  • نجد كثيرين يبحثون عن الحق بحسن نية ولم يصلوا للحقيقة!
  • وبعيدًا عن غيرنا، فكلٍ منا كثيرًا ما يحتار ويتردد ويشك ويتذبذب في قضايا كثيرة، ولا نجد هدى الله الخاص الذي يقودنا!

لذلك ينفي العقل وجود هداية خاصة من الله لبعض عباده.

أما عن القرآن، فنجد آيات يستدل بها البعض على وجود هداية خاصة، نحللها:

يقول الشريف المرتضى: الهدى في القرآن على وجهين(16):

1- هدى هو (دليل وبيان)

فقد هدى الله بهذا الهدى كل مكلف، عاقل، بالغ، الكافر منهم والمؤمن، وهو هدى الكون والعقل والكتب الإلهية.

وبصفة عامة فإن لفظة (أهدى) لا يمكنها أن تفيد في اللغة خلق الإيمان والطاعة، بل تفيد الدلالة والإرشاد لطريق الهدى. مثلما نقول: فلان أصلح فلانًا وأنجحه. فالمعنى أنه أرشده لطريق الصلاح والنجاح.

  • ونجد آيات واضحة الإشارة إلى هدى البيان، مثل:

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ).

(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).

(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى).

  • ونجد آيات أخرى تتحدث عن زيادة الهدى، فظن البعض أن المتقين سيلهمهم الله إلهامات خاصة واستثنائية، ويزيد تقواهم بتدخل إلهي مباشر، ونقف عند هذه الآيات، مثل:

(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ).

لكن بالعودة لسياق الآيات نجد: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ. وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)، فالآيات تتحدث عن المنافقين الذين خالطوا النبي وسمعوا منه، فقد بلغتهم الحجة، لكنهم رفضوا الاهتداء بها، بل سخروا منها. أما المهتدين، فكلما نزلت الآيات، وكلما سمعوا من النبي، تدبروه وعملوا به وانتفعوا به، فزادهم بيانًا وإرشادًا وعلمًا.

إذًا فالمقصود بزيادة الهدى: زيادة البيان بزيادة الآيات المنزلة.

ويؤيد هذا إقرار القرآن في أكثر من موضع بأنه كلما نزلت الآيات، وسمعوا من رسول الله، ازدادوا بيانًا وإيمانًا وهدىً، (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا).

يقول الطبري: فإن ما تلوته عليهم، وسمعوه منك (زادهم هدى) يقول: زادهم الله بذلك إيمانًا إلى إيمانهم، وبيانًا لحقيقة ما جئتهم به من عند الله إلى البيان الذي كان عندهم(17).

2- وهدى.. هو (الثواب والنجاة)

لا يمنح الله هذا الهدى (النجاة والثواب) إلا للمؤمنين الصالحين، وأمثلة ذلك:

  • (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ)، ويهديهم بعد القتل بأن ينجيهم ويثيبهم، ولا معنى لهداية البيان أو الإلهام بعد الموت.
  • (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، يهديهم بإيمانهم في الآخرة بأن ينجيهم ويثيبهم.
  • أما الظالمون والكافرون، فيحرمهم الله من النجاة، وهدى الثواب وطريق الجنة، فيقول تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

(فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).

ولاحظ أن الآيات تتعلق بالحساب الأخروي، فتقر أن الله لا ينجي الظالمين، الفاسقين، الكافرين.

  • (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

(إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).

أي أنك يا محمد حريص على نجاة البشر كافة، لكن الله ينجي من يشاء، ولأنه هو العدل، فهو لا ينجي ويثيب من يضل، لذلك ناسب ختم الآية الأولى بقوله: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، فالقضية تتعلق بالحكم عليهم وليس توجيه نواياهم. كما ختم الآية الثانية بقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)، فهو تعريض لآلهتهم، فهل يستطيعون نصرتهم وحمايتهم من نار جهنم؟! وليست القضية عن توجيه نواياهم.

  • (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).

ظن البعض أنها تعني أن المخلصين سيلهمهم الله الحقيقة إلهامًا خاصًا، ولهم هداية استثنائية!

لكن بالعودة إلى سياق الآيات: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).

فنجد الآيات تتحدث عن العقاب الأخروي، لتقر أن الكافرين مثواهم جهنم، وأما المؤمنين فمثواهم على العكس؛ فسيهديهم الله إلى طريق الجنة.

ومن هنا كان السياق مرشدًا أن (لنهدينهم سبلنا) بمعنى ننجيهم إلى طريق الجنة والثواب.

وبهذا فسر ابن عباس الآية، فقال: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا(18).

وقال السدي: (لنهدينهم سبلنا) أي طريق الجنة(19).

وقال الرازي: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، أي من جاهد بالطاعة، هداه سبل الجنة(20).

  • (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا).

انشراح القلب للحق هو ناموس كوني وضعه الله في القلوب جميعًا، وليس لبعض الناس خاصةً، فالقلوب مفطورة على قبول الحق، والرضا به، والبحث عنه، وأي باحث يستشعر في نفسه انشراحًا ولذةً حين يصل إلى الحقيقة التي يطمئن قلبه إليها.

وضيق الصدور من الباطل هو فطرة إنسانية، تأبى عدم الاتساق، والانفصام، ومخالفة الضمير.

إذًا فالله لا يضل أو يغوي أحدًا ألبتة، لا بشكل شخصي ولا عام. ولم يهدِ الله أحدًا بشكل خاص استثنائي، بل هو الهادي؛ أي أنه لم يترك وسيلة عامة لهداية الناس عمومًا باختيارهم إلا فعلها، فخلق عقولًا مميِّزة، وبنى كونًا منظمًا، وأرسل رسلًا مرشدة، وأنزل كتبًا هادية.

اعتراض: الآيات سالفة الذكر تحتمل معنيين: أحدهما أن الله يهدي هداية خاصة ويضل ويغوي، كما تحتمل ما ذكرته من تأويلات، لماذا اخترت هذا التفسير وتركت غيره؟ هل هو تلفيق للمعاني لتناسب رأيك؟

العقل أول الأدلة؛ إذ بالعقل عرفنا وجود الله، وأنه واحد وعدل؛ فلا يفعل القبح ولا الظلم، وبهذه المقدمة نُقدِم على تفسير القرآن، لنجد آيات محكمات، لا تحتمل إلا تفسيرًا واحدًا، يقر هذه الحقائق، مثل (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا)، فليس للنص معنيان.

كما نجد آيات متشابهات تحتمل أكثر من معنى، وأحد معانيها يخالف العقل، ومعناها الآخر يوافق العقل، فبديهي أن نأخذ بالمعنى الذي يوافق العقل، ويتناسب مع صفات المتكلم، أي يتسق مع العدل والتوحيد. وليس في ذلك محاباة للقرآن، بل هو منهجية عامة لفهم المجاز في كل النصوص.

فإن قلت لك: إن الرئيس يقدِّم رجلًا ويؤخر رجلًا، فالنص يقول صراحة إن الرئيس يتراقص، ويحتمل أن الرئيس متردد. وكلنا يرفض المعنى الأول، ويقبل المعنى الثاني دون أي تعنت.

وهذه كما ترى منهجية سهلة ومتسقة لمن يعرف العدل والتوحيد، أما من اقتحم النص دون سابق علم بصفات الله، فسيزيغ ويضل. لذلك اشترط الجاحظ أن يكون المفسر عالمًا بعلم الكلام أولًا، فقال: لو كان أعلم الناس باللغة، لم ينفعك حتى يكون عالمًا بالكلام(21).

اعتراض (2): لماذا عبَّر الله عن النجاة والعقاب بلفظي الهدى والضلال؛ مما أوقع كثيرين في اللبس وسوء الفهم؟ لماذا لم يقل بدقة وصراحة: (الله يعذب الكافرين) بدلًا عن (الله يضل الكافرين)؟!

دقة النص تابعة لغرضه؛ فالنصوص القانونية والدستورية يجب أن تلتزم بالدقة والحسم المتناهي، ولا تهتم بالبلاغة، لذلك لا تحتمل أكثر من معنى، وتبتعد عن التأويلات.

أما النصوص العاطفية الوعظية، فهي الساحة المخصصة للمجازات والتشبيهات. ومجال الهدى والضلال هو قلب العظة والعاطفة وتلمُّس القلوب، لذا فطبيعي أن يُستخدم المجاز هنا.

فربما أراد سبحانه رسم صورة حسية تربط عمل المرء في الدنيا بمصيره في الآخرة، فرسم طريقًا للهدى، ومن اهتدى في الدنيا للطريق، سيجد في الآخرة نفس الطريق يقوده للجنة، وهدى الجنة هو نفسه هدى الدنيا. لذا عبَّر عنهما بنفس الاسم: الهدى. وكما هدى الله الناس في الدنيا (أرشدهم)، فهو يهديهم في الآخرة أيضًا لطريق الجنة (يثيبهم).

أما من ضل عن طريق الهدى، واختار بإرادته مكابرة الحق والاستعلاء على الطريق، سيجد نفسه في الآخرة بعيد وضال عن نفس الطريق، لا يستطيع السير عليه، ليعرف أن اختياره بالأمس يجنيه اليوم، وضلال الدنيا (الزيغ) هو نفسه ضلال الآخرة (العذاب). لذا عبَّر عنهما بنفس الاسم: الضلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

(التفسير الكبير) ج2 ص366
(متشابه القرآن) ج1 ص292
(رسائل العدل والتوحيد) ج1 ص325
(متشابه القرآن) ص136
(التفسير الكبير) ج10 ص169
(تفسير القاسمي) ج5 ص1435
(تفسير الكشاف) ج1 ص546
(التحرير والتنوير) ج1 ص254
(تنزيه القرآن عن المطاعن) ص209
(تفسير المنار) ج1 ص120
(متشابه القرآن) ج1 ص72
(التفسير الكبير) ج15 ص315
(التحرير والتنوير) ج10 ص103
(أحكام القرآن) ج3 ص46
(متشابه القرآن) ج1 ص228
(رسائل العدل والتوحيد) ج1 ص323
(تفسير الطبري) ج٢٢ ص١٧٠، (تفسير البغوي) ج7 ص283
(تفسير القرطبي) ج١٣ ص٣٣٧
(التفسير الكبير) ج25 ص77
(الاتجاه العقلي في التفسير) ص193
عرض التعليقات
تحميل المزيد