لاشك أنّ الوضع الليبي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فقد أصبحت ليبيا ساحة صراع دولية لا تقل خطورةً عن سوريا مثلًا، وإن كانت الحرب بالنيابة هناك، أي ليست تصريحية كالوضع في سوريا، ولكن ألسنة اللهب تستعر وتعلو مجددًا مع كل معركةٍ يشنها حفتر على حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا.

يشهد الوضع في ليبيا توترًا غير مسبوق، فأعين العالم شاخصةً على طرابلس، ويتساءل كثيرون عن هذا الصراع العنيف على طرابلس وتمسك حفتر بقرار الدخول إليها؛ ويعتقد مراقبون بأن السبب في هذا يرجع إلى ما تملكه العاصمة من قرارات تؤثر على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ففيها مقر الحكومة، والوزارات، والدوائر الحكومية العليا، وفيها مصرف ليبيا المركزي، وإدارة المصرف الخارجي الذي تحول إليه أموال بيع النفط والغاز لحساب المؤسسة الوطنية للنفط التي تدير هذه العمليات من طرابلس، فمنها يصدر القرار وفيها تُصبُّ الأموال.

تمركز المؤسسات الحيوية في طرابلس كان نتاج عملٍ ممنهج من نظام معمر القذافي عقب انقلابه العسكري عام 1969، لقد كان القذافي مهووسًا بالسيطرة فنقل جميع المؤسسات الرئيسة والحيوية إلى جانبه في طرابلس، حتى أوجد نظام حكمٍ مركزي آنذاك، لدرجة أنه كان من الممكن أن يسافر الليبي ألف كيلومتر من بنغازي إلى طرابلس مثلًا ليحصل على توقيعٍ على ورقةً غير مهمّة.

لم يكن نظام معمر القذافي مركزيًا كالأنظمة الشمولية المعهودة؛ فقد أضاف لمسته الخاصة في هيكلية هذا النظام، فأنشأ مع كل مؤسسة حكومية مؤسسة أخرى موازية لها تديرها وتراقب تنفيذ أوامره فيها.

هذا التمركز كله لم يكن موجودًا بهذه الشدة من قبل، فحين كانت الدولة ملكية عُدّل الدستور عام 1963، وتحولت الدولة من فيدرالية إلى دولة موحدة، ونص الدستور على أن لليبيا عاصمتين هما بنغازي وطرابلس، وكانت المدينتان تقتسمان المؤسسات السياسية والاقتصادية والإدارة، فبينما احتفظت بنغازي بالمؤسسة الوطنية للنفط وبعض المؤسسات الأخرى من بينها الخطوط الجوية الليبية، وفازت طرابلس بمقر الحكومة وعدد من مقرات الشركات النفطية والإدارات المهمة.

لم يدوم هذا الأمر طويلًا فبعد عقدٍ تقريبًا غضب القذافي على بنغازي عقب تظاهرات الطلبة عام 1976، وانتقل منها إلى طرابلس، ونقل معه المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط ولاحقًا نقل الخطوط الجوية الليبية، أُفرغَت بنغازي من المؤسسات الحيوية عقابًا لها.

منذ 8 أشهر يسعى اللواء المتقاعد خليفة حفتر بالدخول إلى طرابلس عبر المعركة التي يشنها، معارك طاحنة على أبواب جبهة طرابلس الجنوبية، ولا غرابة في إطلاق حفتر مساء الخميس في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019 «المعركة الحاسمة» حسب تسميته للدخول إلى هذه المدينة وتوعده باقتحامها في مدة زمنية قصيرة، تأتي هذه المحاولة اليائسة والمتعثرة قبل أن يُعقد مؤتمر برلين الذي من المقرر أن تحتضنه العاصمة الألمانية، في النصف الثاني من يناير (كانون الثاني) لهذا العام، سيكون مؤتمًرا دوليًا حول ليبيا، بمشاركة العواصم الإقليمية والدولية المعنية.

ذات يوم قال لنا دكتور مادة المفاوضات الدولية أن الهدف من المعارك التي تأتي بهذا الشكل والتوقيت هو لفرض الأمر الواقع، حيث إنّ صاحب المكاسب الأكبر على الأرض يفرض رأيه بقوٍة ويكون المحرك الأساسي لطاولة المفاوضات.

هذا النوع من المفاوضات ليست إلا عبارة عن بلطجة متأنقة يخوضها أناسٌ ببذلاتٍ رسمية وحقائب جلد لامعة.

من جهةٍ أخرى فقد تسببت هذه المعركة حتى الآن بنزوح ما يزيد عن 35 ألف شخص و«عمليات نزوح مستمرة بوتيرة متنامية كل يوم»، وفق ما أعلنت ماريا دو فالي ريبيرو النائبة السابقة للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة.

دخول تركيا على ساحة الصراع بعد إعلان استعدادها للتدخل عسكريًا لمساعدة حكومة الوفاق ضد مليشيا حفتر في ليبيا قد يعدِلَ ميل الكفّة قليلًا، وبالرغم من ذلك يمكننا أن نقول هناك توازن نوعًا ما بين القوى والأطراف المتصارعة، وهذا يعني طول الأمد لهذه المعركة، وهو مايرجحه كثيرون.

قد تكون محاولة حفتر في طرابلس هذه المرة فاشلة، ولكنه – ولا أستبعدها مطلقًا – سوف يدخلها وسط صمتٍ دولي كامل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد