نشهد هذه الأيام جولة جديدة لهجوم دموي من قبل روسيا ومليشيات الأسد على ريف حماة الشمالي وجنوب إدلب وهما لمن لا يعلم آخر معاقل الفصائل المسلحة التابعة للثورة السورية؛ وكالعادة الهجوم وحشي يستهدف أول ما يستهدف المشافي ومقرات الدفاع المدني دون أن يرقب إلا ولا ذمة بقصف جوي مكثف وهجمات صاروخية لا تفرق بين الأحياء السكنية والثكنات العسكرية والذي نتج عنه مقتل العشرات ونزوح أكثر من 150 ألف مشرد الكثير منهم أصبح يبيت في العراء بلا مأوى في رمضان شهر الرحمة والطمأنينة.

قبل كل شيء علينا أن نعرف أن لتلك المنطقة حساسية وحسابات خاصة بعيدًا عن كل المناطق الأخرى كونها آخر معقل للثوار وعائلاتهم وتأوي نازحين من مناطق ومحافظات أخرى ليصل عدد قاطني إدلب وحدها لما يزيد عن الثلاثة مليون نسمة؛ فضلا عن كونها ملاصقة للحدود التركية مما يهدد بنزوح مئات الآلاف ليس لتركيا فحسب وإنما أوروبا التي بالفعل في أزمة بسبب اللاجئين بالإضافة لسيطرة هيئة تحرير الشام بشكل رئيسي عليها وهي التي تصنف كحركة إرهابية من الجميع.

12 جولة مباحثاث في الأستانة بين روسيا وتركيا وإيران وزيارات متعددة بين أردوغان وبوتين بالإضافة لاتفاق سوتشي بين تركيا وروسيا نتج عنه اتفاق مناطق خفض التصعيد جميعها كانت رمزية وهشة؛ باءت بالفشل والانهيار مما انتهى بقصف شمال حماة وجنوب إدلب حاليًا بمشاركة حاضرة من القوات الروسية؛ في ظل ترقب وتخوف من تكرار سيناريو حلب مرة أخرى، الأمر الذي سوف يشبه يوم القيامة في سوريا نظرًا للكثافة السكانية العالية في بقعة جغرافية ضيقة لا يوجد بعدها ما يفر الناس إليه. وبالرغم من تنامي العلاقات التركية الروسية والتصريحات المتعددة على مدار 15 شهرًا عن التعاون العسكري كشركاء الا أننا نرى تباينًا واضحًا بين تلك الخطابات والواقع على الأرض الذي لا تأبه فيه روسيا لتركيا التي لديها 12 نقطة مراقبة عسكرية في منطقة الهجوم لم تسلم منه هي الأخرى بإصابة عدد من الجنود مما دفعها لإرسال تعزيزات مؤخرًا؛ فلماذا إدلب الآن بالذات؟

حتى نكون واقعيين فإن الحرب السورية هي أعقد الحروب في العصر الحديث ولا شيء يمكن لأحد التيقن منه داخل هذه الحرب المتشابكة والمتعددة المصالح؛ ولكن هناك أيضًا قراءات يمكننا من خلالها استشراف المستقبل والإجابة على التساؤلات التي تؤرق أغلبنا في بعض النقاط الآتية:

فشل اتفاق سوتشي

اجتماع بين أردوغان وبوتين في مدينة سوتشي الروسية في سبتمبر (أيلول) 2018 نتج عنه ما عرف باتفاق خفض التصعيد من خلال منطقة آمنة منزوعة السلاح على طول خط التماس بين المعارضة والنظام يتم داخلها تسيير دوريات روسية وتركية؛ تعهدت بموجبه روسيا بلجم النظام عن الهجوم على إدلب وفتح طريق حلب اللاذقية وطريق حلب حماة وعلى تركيا ضبط الفصائل الثورية وإبعادها من المنطقة منزوعة السلاح وبالتحديد هيئة تحرير الشام ونزع السلاح الثقيل من أيدي الفصائل في تلك المنطقة وخلفها، ومنذ أيامه الأولى تعرض الاتفاق لخروقات عديدة تمثلت في هجمات استفزازية من جانب النظام في ظل إخفاق وعجز تركيا عن تحجيم وتفكيك هيئة تحرير الشام الفصيل الأقوى بلا منازع في إدلب، وكان أردوغان ينظر للاتفاق على أنه دائم وروسيا تريده مؤقتًا؛ وتدعي روسيا والنظام الآن بأن لهما الحق في الهجوم على إدلب لاستعادة سيطرة الدولة من أيدي الثوار.

المنطقة الآمنة بين تركيا وأمريكا

بعض التسريبات والتصريحات تقول إن تركيا وأمريكا توصلا مؤخرًا لتفاهمات فيما يخص منطقة شرق الفرات بإنشاء منطقة آمنة بعمق 32 كيلو متر تنسحب منها الفصائل الكردية ويتم تسيير دوريات مشتركة بين تركيا وأمريكا؛ الأمر الذي لا تريده روسيا لأنها تريد إبعاد تركيا عن أمريكا وأن تكون قدر الإمكان أغلب المعادلات عن طريقها؛ فتقوم روسيا بذلك الهجوم في رسالة مفادها أن التفاهمات القائمة مع تركيا من الممكن أن تنسف في لحظات إذا ما اعتمدت تركيا على الحل عن طريق المسارات الأمريكية التي من الممكن أن تمتد لإدلب؛ خاصة وأن الهجمات تقترب وبشكل ملحوظ من نقاط المراقبة التركية وتتسرب صور مشاركة حاضرة للقوات الروسية هي رسالة محرجة للأتراك.

تبادل مناطق سيطرة بين روسيا وتركيا

يجري الحديث عن صفقة بين تركيا وروسيا تقوم فيها الأخيرة بقضم 25 كيلو من المنقطة منزوعة السلاح وترحيل النقاط التركية للداخل في مقابل سيطرة تركيا على تل رفعت وهي مدينة تحت سيطرة القوات الكردية بحماية وسيادة روسية وهو ما يتماشى قليلًا مع الواقع بتزايد القصف التركي لمناطق الوحدات الكردية في تل رفعت تزامنًا مع الهجوم على إدلب؛ الا أن ذلك يظل في طور التكهنات فذلك التزامن قد يعني أيضًا أنه رد تركي على التحرك الروسي خاصة وأن تركيا عززت من وجودها العسكري في نقاط المراقبة بدلًا من التخفف أو الانسحاب.

سياسة فرض الأمر الواقع

من المعروف أن ما تفشل فيه المفاوضات يمكن تحقيقه بالقوة على الأرض؛ خاصة في ظل فشل كل المحادثات والمفاوضات بين روسيا والنظام من جانب وتركيا والمعارضة من جانب آخر حول الحل السياسي وكتابة دستور للبلاد؛ حيث ترى روسيا بتعالي أن الحل يجب أن يأتي من النظام وترى تركيا والمعارضة أن النظام فقط طرف شريك في الحل خاصة في ظل رفض قوي من جانب المعارضة للبنود المذلة في مضمونها للقضية التي خرجوا من أجلها وفي ظل أيضًا سيطرة لا تنفك لهيئة تحرير الشام على إدلب بالكامل؛ لذلك ففرض الأمر بالإجهاز على آخر معقل للثوار هو ما سيحسم الأمر وينهي كل المفاوضات بإخراجهم من المعادلة تمامًا وبالتالي القبول جبرًا وليس طوعًا.

فشل التسويق لشرعية النظام دوليًا

تحاول روسيا الآن التسويق بأن الحرب انتهت وأن النظام اكتسب شرعيته بالانتصار والآن على الجميع أن يتعامل معه ويساهم بإعادة الإعمار وقبل كل ذلك تنتظر روسيا حصد مكاسب الحرب الآن ولكن هذا في ظل معارضة دولية للمشاركة في إعادة الإعمار دون انتقال سياسي سليم ينبثق منه دستور توافقي؛ وفي ذلك الوقت الحل قد يكون بإنهاء سيطرة الثوار على أي تقسيمات إدارية مما ينهي وجودهم عمليًا فلا يبقى إلا بشار ولا يوجد أمام العالم خيار إلا التعامل معه.

هل من المرجح أن يكون هجوم إدلب كهجوم حلب؟

برغم كل القراءات السابقة إلا أن الجواب لا فالمزاج الدولي رافض جديًا تمامًا ذلك الهجوم خاصة أنه يهدد استقرار الاتحاد الأوروبي بموجة لجوء أكبر من سابقتها قد لا تستطيع أوروبا التعامل معها في ظل دعوات من أعضاء في الكونجرس كالسيناتور ليندسي جراهام  للرئيس الأمريكي ترامب للتدخل وحماية إدلب؛ وأيضًا لأن روسيا لا تريد قطع شعرة الوصل مع تركيا لأن ذلك ليس من مصلحتها الجيوسياسية بالنظر لملفات عديدة؛ فوق كل ذلك الخشية من أن يتحول الأمر لحرب استنزاف تقوم فيها قوات المعارضة بعمليات خلف خطوط النظام وهو ما يطيل أمد الحرب وقد يضرب المصالح الروسية داخل سوريا وبالتالي تقويض المكاسب التي ستجنيها روسيا من الحرب؛ على أغلب الظن أن الهجوم لن يتعدى جنوب إدلب وبعضًا من ريف حماة للدخول في معادلة جديدة تكون لروسيا والنظام فيها مزيدًا من الغلبة ويد أعلى في التفاوض ولكن النزاع السوري معقد كفاية لأن تذهب الأحداث خارج نطاق التوقعات والقراءات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد