لا داعي للإسهاب في الحديث عن التردي الحالي في الأوضاع الاقتصادية في سوريا، والأمر لا يحتاج أن يكون خبيرًا اقتصاديًّا مدججًا بالبيانات والتحليلات الاقتصادية ليدرك أنه لا يوجد ثمة تحسن يلوح في الأفق.

لكن السؤال الذي يقفز إلى الذهن مباشرة، لماذا لا تعامل موسكو دمشق بمثل ما تقوم به مع حلفائها الآخرين؟

عندما نزل الشعب البيلاروسي إلى شوارع مينسك معلنًا رفضه لنتائج الانتخابات الرئاسية التي يعتقد كثيرون أنها كانت مزورة، لم تتوان موسكو عن تحويل 5 مليارات دولار خلال أيام قليلة فقط إلى حليفها ألكسندر لوكاشينكو لدعمه في مواجهة الاحتجاجات الشعبية هناك، هذا بخلاف الدعم بالمعدات والأفراد.

المسلحون في شرق أوكرانيا تلقوا دعمًا ماليًّا في شكل رواتب وإمدادات كهرباء وطاقة بقيمة تجاوزت 32 مليار دولار خلال الخمس سنوات الفائتة علمًا بأن عدد السكان هناك لا يتجاوز 4 ملايين نسمة.

حتى فنزويلا البعيدة حصلت على قرض عاجل بقيمة 3.7 مليارات دولار مع إعفاء من الدفع حتى 2027؛ وذلك لإنقاذها من جفاف العملة الصعبة الذي يخنق اقتصادها، من المتوقع أن فنزويلا حصلت على مبالغ أكبر بكثير مقابل رهن الذهب الفينزويلي لصالح موسكو.

لا توجد معلومات دقيقة عن مجموع ما أنفقته موسكو خلال فترة وجودها في سوريا، غير أن التقديرات تشير إلى 3.7 مليارات دولار معظمها استهلكته العمليات العسكرية، بالإضافة إلى مليار دولار جرى إرسالها في 2020 في شكل مساعدات عينية لمساعدة النظام في مواجهة جائحة كوفيد-19، وأخيرًا وعد روسي بضخ 500 مليون دولار في الاقتصاد السوري حتى عام 2023.

إلى ماذا تتطلع موسكو لتحقيقه في سوريا؟

إلى جانب الأهداف الجيوستراتيجية والأمنية، فإن الروس أيضًا يتطلعون إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الأخرى ذات الطابع الاقتصادي وأهمها:

1. السيطرة على الموارد الطبيعية الحالية التي توجد في الأراضي السورية.

2. الاستحواذ عبر الشركات الروسية على عقود إعادة الإعمار المتوقعة بعد انتهاء الحرب تمامًا وعودة الأوضاع الطبيعية.

3. جني الفوائد من عمليات التنقيب والاستخراج للنفط والغاز الصخري قبالة الساحل السوري.

في ظل الوضع الراهن، فإن روسيا تواجه تحديًا كبيرًا كي تخلق الظروف المناسبة لكي تحقق أهدافها وتحويل نجاحها العسكري في سوريا إلى نجاحات اقتصادية.

العقبات التي تعوق تحقيق الأهداف

معظم الموارد الطبيعية السورية، باستثناء الفوسفات، تقع شرق الفرات وهي عمليًّا تحت سيطرة قسد، والذين هم في تلك المناطق في حالة ارتباط مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أما الفوسفات السوري الذي كانت تعد سوريا الخامس عالميًّا في تصديره قبل 2011 , وتمتلك احتياطيات كبيرة منه خاصة في المناطق المحيطة بمدينة تدمر السورية، والذي يعد من الأنواع الغنية بمادة اليورانيوم المشع، فهو موضع تنافس شديد بين طهران وموسكو، بالرغم من توقيع النظام عقد (عقد نموذج 66) بشروط مذلة مع شركة روسية، والتي بموجب هذا العقد سوف تحوز 70% من الإنتاج السنوي المتوقع 2.2 ملايين طن لمدة 50 سنة.

تحتاج عملية إعادة الإعمار في سوريا إلى تحقيق ثلاثة متطلبات كلها خارج سيطرة الروس، وهي:

1. التمويل الذي من المتوقع أن يساهم فيه الأوروبيون بقدر كبير، وهم لن يقدموا أي تمويل إذا لم يتم إنجاز حل سياسي معقول يضمن استقرار البلاد، وكذلك الأمر بالنسبة للدول الخليجية التي لا تنظر بود إلى الوجود الإيراني المستحكم في سوريا.

2. تحتاج عملية إعادة الإعمار إلى عودة اللاجئين بأعداد كافية، وهذا من غير الحكمة توقع حدوثه في ظل استمرار النظام بممارسات الانتقام والاعتقال التي لم تفلح محاولات روسيا بالضغط على النظام لوقف هذه الممارسات.

3. أخيرًا، رفع العقوبات الامريكية عن سوريا وتحديدًا قانون سيزر الذي يعرقل أي عمليات تحويل أموال ومساهمة الشركات في العمل في سوريا.

الصداع السوري للروس

يدرك كثيرون في موسكو أن الأسد وإيران من ورائه ليس لديهم نوايا حقيقة لمنح العملية السياسية فرصة لأنها في المحصلة سوف تقوض سلطة النظام، وهذا ما يجعل بعض الخبراء والصحافيين الروس يتحدثون علنًا عن حاجة روسيا إلى استكشاف بدائل أخرى لكي تحافظ على مصالحها في المنظور الإستراتيجي، فقد اعتبر ألكسندر شوميلين الدبلوماسي السابق والمدير الحالي لمركز «أوروبا والشرق الأوسط» أن على الكرملين التخلص من الصداع السوري، محملًا تعنت الأسد المسؤولية، في حين أن السفير ألكسندر أكسينيونوك ونائب رئيس مجلس الشؤون الدولية الروسي دعا في مقالة له إلى «وقفة للتفكير بشأن مستقبل سوريا في عالم لا يمكن التنبؤ به»، مسلطًا الضوء على أن رفض الأسد للدستور الجديد الذي يتم التفاوض عليه سوف يعرضه إلى خطر كبير، إلى جانب هذا كله هناك خيبة وتشكك في أوساط مجتمع الأعمال الروسي تجاه الأعمال في سوريا.

لذلك فمن المتوقع أن تستمر موسكو بالإحجام عن ضخ أية أموال لأنها تعرف سلفًا أنه سوف يجري نهبها من قبل النظام بدل ضخها في الاقتصاد المتهالك، والاقتصار على بعض المساعدات التي تمنع الانهيار الكلي للاقتصاد، بالانتظار إلى أن تتضح الرؤية بالنسبة لها لمستقبل الصداع السوري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد