سأستكمل معكم اليوم ما بدأناه معاً في المقال الأول، وأتمني أن تقرأ المقال الأول سريعًا قبل أن تبدأ تكملة قراءة هذا المقال الثاني؛ لتكون الفكرة لديك واضحة غير مشوهة أو غير ناضجة, وكنت أو أن أذكر نفسي وأذكرك عزيزي القارئ، أن هذا المقال أطلب من الكل قراءته، ما عدا من يعتقدون أن بيدهم تفنيد الأفكار إلى صالحة وغير صالحة، وما عدا ـ أيضًا ـ أصحاب الآراء التي تدعي أن بلادنا الإسلامية والعربية وصلت لأفضل حال منعًا لتشاؤمهم ليس أكثر، وما عدا مدعي الثقافة الذين يلهثون خلف كل كلمة وحرف؛ ليثبتوا أخطاء لا وجود لها إلا في خيالهم، وما عدا أيضًا الذين لا يقرؤون ولا يفهمون إلا بعد شيخهم المقدس، خاصة حدثاء السن منهم، كل هؤلاء ومن على شاكلتهم، هذا المقال ليس لهم، فلا حاجة لتضييع وقتهم.

سنبدأ بالتحدث عن قانون إلهي، ثم سنطرح سؤالًا، وسنجيب عليه، فلنبدأ:

 قانون الابتلاء

وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ

تلك الآيات نزلت في أصحاب القرية هم من اليهود كانوا يسكنون في منطقة قريبة من البحر.

بأن يجعل لهم يومًا يتفرغون فيه للعبادة؛ فيكون يوم عبادة وراحة، فاستجاب الله لطلب نبيه؛ فجعل لهم يوم السبت، يوم للعبادة والراحة، ولكن بشرط: حُرم فيه الصيد، وأي عمل آخر.ٍ

وافق قوم سيدنا موسي علي هذا الشرط، واستمرت الحياة بعد ذلك لفترة التزم فيها اليهود بالعبادة ومنع الصيد يوم السبت والعمل طول الأسبوع.

ولكن الحياة لا تصلح بدون ابتلاء فليست كل النفوس سواسية، وليسوا جميعًا على قدر واحد، فلابد من حدوث الابتلاء؛ فيفوز بالثواب من ينجح، ويُبلى من يفشل!

فابتلاهم الله عز وجل بيوم السبت بأنّ جعل الحيتان تأتي سواحل القرية في هذا اليوم فقط من أيام الأسبوع، وراودتهم أنفسهم بأن يصطادوا السمك، ولكنهم تذكروا أنّ الله قد حرّم عليهم الصيد في هذا اليوم.

فما الحل؟

لجأوا إلى حيلة، بحيث ينصبون شباكهم يوم الجمعة ليلًا، ويبقوها في الماء طيلة يوم السبت، ثم يستخرجونها صبيحة يوم الأحد، بما حوته الشباك من حيتان، وهكذا، وعلى حسب اعتقادهم، يكونون قد امتثلوا لأمر الله بأن جعلوا يوم السبت يوم راحة وعبادة لهم.

نتيجة الابتلاء!

هنا انقسم أهل القرية إلى ثلاث فرق: فرقة عاصية، وفرقة مؤمنة، وفرقة حيادية.

فرقة عاصية تصطاد بالحيلة

وفرقة مؤمنة لا تعصي الله؛ فأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وحذّرت المخالفين من غضب الله عز وجل وانتقامه، وأخلت مسؤليتها «معذرة إلى ربكم»، وتذكيرًا لقومهم «لعلهم يتقون».

وفرقة ثالثة حيادية تفعل المعروف وتبتعد عن المنكر، ولكن كانت لا تأمر باقي القوم بالمعروف ولا تنهي عن المنكر، وكانوا يتجادلون مع الفرقة الثانية، ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة، طالما إنهم لم ينتهوا عن عصيانهم، فسيُصيبهم من الله عذاب أليم «وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا».

لقد كان العذاب شديدا وأليمًا؛ اذ مسخهم الله عز وجل بقدرته مسخًا وحوّلهُم إلى قردةٍ، لجعلهم عبرةً لك، وللناس أجمعين إلى يوم الدين.

نجى الله الفرقة المؤمنة، وعاقب الفرقة الظالمة، أما الفرقة المحايدة، فلم يخبرنا الله ماذا كان جزاؤهم.

هل تكلم الله عن الحيادي وجزاؤه في القرآن؟ تجاهله الله، ولكن في الأثر أخبرنا أن أرسل الله ملائكة في يوم من الأيم لإهلاك قرية فقالوا: يا رب، إن فيها رجلًا صالحًا، قال: به فابدؤوا، قالوا: لمَ يا رب؟ قال: لأن وجهه لم يكن يتمعّر إذا رأى منكرًا، هذا هو جزاء الحيادي.

وسنستكمل في المقال القادم إن شاء الله تكملة باقي كلامنا .

إذن الإبتلاء قانون إالهي من قوانين الله عز وجل يمحص به عباده ليعلم المجتهدين من عباده والمنافقين أيضًا؛ لأن الجزاء حينها سيكون من جنس العمل.

أين الله من قتل الأطفال؟

تجد المتدينين والذين يميلون إلي تفسير الأحداث من الناحية الدينية، عاجزين عن تقديم رد مقنع لسؤال: «أين الله من قتل الأطفال؟» خاصة بعد أن أصبح الأطفال، ومن على شاكلتهم من النساء والعجائز وكبار السن هم وقود المعارك وموضع استهداف مباشر! لذلك يسعي الجميع، وخاصة المتدينون إلى معرفة الحكمة من وراء عدم تدخل الله لمنع وقوع كل هذا العدد من الضحايا من الأطفال، يتساءل أحدهم في حزن ألم يكن في قدرة الله تحويل مسار هذا الصاروخ الذي استهدف حضانة الأطفال؟ هنا الشخص يتساءل عن إيمان بقدرة الله عز وجل، لا عن كفر والعياذ بالله، بل يتساءل: ما الحكمة أن يترك الله هذا الصاروخ يصيب هؤلاء الأطفال الأبرياء داخل الحضانة؟

وإن كنا نبحث عن إجابة لسؤال «أين الله من قتل الأطفال؟» فليس أمامي سوى البحث في القرآن الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وجدت أن الله قد ذكر هذا السؤال وأجابه بشكل مختلف، أو لتقل بأشكال متعددة؛ ليوضح لنا حتمية «لماذا» وراء هذا الفعل الذي سيتوقف أمامه أي إنسان مهما كانت درجة قسوته!

لماذا قتلت الغلام! هذا سؤال «موسى» للخضر يوم أن ذبح «الخضر» غلامًا رآه في القرية، دعنا ننظر للمشهد بشكل مختلف، دعنا ننظر إلى هذا الحوار، كأنه مشهد تتشابه الأدوار بيننا وبين أبطال هذا المشهد. دعني أقل: موسى يمثلك أنت،  والخضر يمثل القدر والأمر الإلهي، والغلام يمثل المظلوم الذي تغضب لأجله.

موسي الذي يمثلك، ويسأل لماذا قتلته؟ ويرد عليه الخضر مذكرًا له بالصبر الذي قطعه على نفسه في بداية رحلته معه!

دعني أضف مشهدًا آخر: موسى الذي يسأل «لماذا»، هو نفسه موسى الرضيع الذي تنبأ أحد منجمي فرعون بقدومه ليستولي على ملك فرعون، فأمر فرعون بقتل كل الأطفال الذكور، ولكن الله نجاه هو وحده بأن أوحى إلى أمه أن ألقيه في اليم «البحر»، هؤلاء الأطفال الذين فدوا موسى الرضيع!

دعنا نضف للمشهدين السابقين مشهدًا ثالثًا، وهو ابن نوح العاق الذي لم يستمع لكلام والده النبي نوح، وأرهقه بكفره، أليس هذا يمثل مصير غلام سورة الكهف الذي ذبحه الخضر؛ حتى لا يرهق والديه بكفره، عندما يكبر!

دعني أوضح لك أن أب وأم الغلام لم يعلموا بحكمة الله في موت ابنهم، حيث إن الخضر لم يذهب إليهم ليخبرهم الحكمة، ولكن دعني أتخيل ما شعورهم عندما علموا أن ابنهم قد ذبح، صراخ وعويل وحزن شديد وتساؤلات: «ليه يا رب؟ ده لسة صغير؟ ده معملش حاجة؟» وتسائلات من هذا القبيل، إلى أن أتى فرج الله لهم بمولود آخر يقال إنه فتاة ذريتها كلها صالحة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد