“الآثار والقطع التاريخية تُعد شاهدًا على عظمة الإنسان وتُقيم حوارًا بين الحضارات يعبّر عن مدى اتصال البشر ببعضهم البعض”.

الرئيس المكسيكي الأسبق فيسينتي فوكس

(1)

يُلملم الممثّل الأمريكي جورج كلوني شتات أفكاره قبل أن يجاوب على سؤال لأحد الصحفيين يتعلّق بما إذا كان “رجال الآثار” Monuments Men يتواجدون فعليًا أم لا:

“نعم، إنهم يتواجدون بالفعل. ولكن، أداء الولايات المتحدة الأمريكية في الحفاظ على فن الحضارات الأخرى في أوقات الحروب كان مخيّبًا للآمال، وإن كان هناك مجهود كبير يبذل حاليًا. ومثلما رأيت في السودان، يمكنك أن تقتل الناس وتغتصب نساءهم وتقتل عائلاتهم، ولكن عندما تأخذ ما يصنعونه، أي العلامات المضيئة لحضارتهم، ينهار المجتمع عن بكرة أبيه… لم يكن كافيًا أن يقتلهم الجنود مع أطفالهم، ولكن يحطّمون ويهدّمون ما جعل هذه القرى ملكًا لأهلها على مدار التاريخ. وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية في تعلّم الدرس جيدًا، لا سيما عندما لم نقم بحماية المتاحف والفنون عندما غزونا العراق… لقد ضاع الكثير من تلك العلامات الحضارية المضيئة، ولن يمكننا أبدًا استعادتها”.

حقًا، لقد انبهرت بشدّة أثناء مشاهدتي لفيلم “رجال الآثار” The Monuments Men وهو أحدث أفلام النجم الهوليوودي جورج كلوني لعام 2014، والذي قام بنفسه بإخراجه والمشاركة في كتابة السيناريو والإنتاج له، فضلًا عن لعبه دور البطولة فيه، إلى جانب كوكبة من النجوم الآخرين، أبرزهم مات ديمون، وبيل موراي، وجون جودمان، وجان دوجاردين، وكيت بلانشيت، وغيرهم.

الفيلم المأخوذ عن كتاب “رجال الآثار: أبطال التحالف واللصوص النازيين وأكبر عملية بحث عن كنز في التاريخ” للمؤلّف “روبرت إيدسل”، وهو يتمحور حول مجموعة من الأشخاص ينتمون لبلاد التحالف يجمعهم الشغف بالآثار والفنون والقطع التاريخية؛ حيث يتخلّون عن وظائفهم في قطاع الفنون والمتاحف أو الحياة الأكاديمية، بعد أن يوكّل لهم مهمة انتحارية تتمثّل في البحث عن القطع الفنية والثقافية الهامة والحفاظ عليها قبل أن يقوم الزعيم النازي بتدميرها أثناء الحرب العالمية الثانية.

هناك العديد من اللحظات المؤثّرة في الفيلم التي تجعلك دون شك تتعاطف مع نُبل وإنسانية “رجال الآثار” وسعيهم الراقي في سبيل الحفاظ على الآثار والقطع التاريخية الهامة لأناس آخرين، بمجتمعات ليست بالضرورة مجتمعاتهم، حتى لو كان الثمن الذي يدفعونه هو الموت في بعض الأحيان؛ مثلما حَدث في الفيلم وفي الواقع كذلك من موت اثنين من “رجال الآثار” في سبيل هدفهم الأسمى!

وعلى الرغم من أن أحداث الفيلم مستوحاة من قصة واقعية، إلا أن “كلوني” أكّد أنه جرى تغيير بعض الأسماء وإضفاء صبغة درامية على بعض الشخصيات في الفيلم، من أجل أن يصبح أكثر إمتاعًا للمشاهدين.

 

“إن الحفاظ على تراث وثقافة حلفائك يعد أمرًا صغيرًا. ولكن، أن تقدّر ثقافة عدوك، وتخاطر بحياتك وحياة رجال آخرين للحفاظ عليها، وتعيدها مجددًا لهم بمجرد انتهاء الحرب، لم يَسمع أحد عن ذلك من قبل، وإن كان هذا ما فعله تحديدًا والتر هانكوك وأصدقاؤه من رجال الآثار الآخريين”.! “روبرت إيدسل” في كتابه “رجال الآثار”

(2)
تحاول “إيرينا بوكوفا”، المديرة العامة لمؤسّسة اليونسكو، أن تبدو ملامحها صارمة ومتجهّمة، وتقطع شوطًا كبيرًا في ذلك، ما يدلّ على تمرّسها لمهنتها واعتيادها على الإدلاء بمثل هذه التصاريح “الروتينية” من وقت لآخر، قبل أن تقول:

“لا يمكننا البقاء صامتين؛ فالتدمير المتعمّد للتراث الثقافي يعد جريمة حرب. وأنا أدعو كافة الزعماء السياسيين والدينيين في المنطقة للتصدّى بتذكير الجميع بأنه لا يوجد أي تبرير سياسي وديني لتدمير التراث الثقافي للإنسانية”.

جاء تصريح “بوكوفا” بعد يوم من إذاعة التلفزيون العراقي للقطات حيّة لبعض مقاتلي داعش وهم “يجرّفون” ويدمّرون آثار مدينة نمرود العراقية التاريخية، والتي كانت العاصمة الثانية للآشوريين خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، والتي تبعد عن مدينة الموصل مسافة 30 كم!

ويعود اكتشاف كنوز المقابر الملكية بمدينة نمرود العراقية إلى ثمانينيات القرن الماضي، بوصفها أحد أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين.

وعلى الرغم من نقل العديد من آثار نمرود من موقعها الأثري إلى متاحف عدة في جميع أنحاء العالم، لكن يتبقى أبرز القطع الآشورية في مكانها، مثل الثيران المجنّحة أو “شيدو لاماسو” التي تجسّد ثيرانًا أو أسودًا مجنّحة برؤوس بشرية ملتحية.

وقبل تلك الواقعة بأسبوع، طفا على سطح مواقع التواصل الاجتماعية فيديو لبعض مقاتلي تنظيم داعش مدجّجين بالمطرقات الضخمة، ويقومون بتكسير القطع الأثرية والتماثيل الحجرية بمتحف الموصل، قبل أن يقوم أحد الأشخاص في الفيديو مدافعًا عن هذه الأفعال بقوله:

“كانت هذه الآثار والتماثيل لأناس في قرون سابقة يعبدونها من دون الله. وعندما يأمرنا الله بتدمير هذه التماثيل، علينا أن نمتثل له، حتى لو كانت تساوي مليارات الدولارات”.

(3)

يقف “أبو بكر البغدادي”، زعيم تنظيم داعش، بجلبابه الأسود وهو يقوم بتنسيق لحيته السوداء، قبل أن يقول: “إنني مستعد الآن للمجيء إلى مصر، وهدم أبي الهول والأهرامات؛ فهي أصنام تتعارض مع العقيدة الإسلامية”.

يهلّل له أتباعه وهم يشخّصون أبصارهم له على منبره العالي بأحد المساجد، قبل أن يسارع أحدهم بقوله: “يا مولانا، لماذا إذن تقاعس صحابة النبي الكريم عن تدمير هذه الأصنام التي لا تضرّ ولا تنفع؟ لماذا مثلًا لم يدمّرها عمرو بن العاص عندما فَتح مصر؟”.

تململ “البغدادي” في وقفته ويكاد الشَرر يتطاير من عينيه وهو يرمق ذلك “الوقح” الذي تجرّأ على سؤاله بنظرة غاضبة، قبل أن يتمالك أعصابه، متصنّعًا الهدوء، ويقول:

“لم يَر الصحابة مثل عمرو بن العاص وغيره تلك التماثيل والآثار؛ حيث كانت مدفونة عند فتح مصر تحت الرمال، ولو كانوا رأوها لهدموها بالكامل”.

 

(4)

مما لا شَك فيه أن ما حَدث في العراق وسوريا من هَدم وتجريف وتدمير للآثار التاريخية القديمة التي تعدّ شاهدًا على حضارات عريقة ماضية، أمرُ جلّل لا يستهان به، ويؤكّد على أن تنظيم داعش يجب محاربته بالفكر والمفهوم العقائدي السليم، وليس فقط بالسلاح والعتاد، ولا يَكفِي إطلاقًا شَجب وإدانة منظّمات عريقة، مثل اليونسكو أو الأمم المتحدة أو المؤسّسات الدينية شأن الأزهر الذي سارع بإدانة ما حَدث، ووصفه بأنه جريمة كبرى في حق العالم والتأكيد على أن “تدمير التراث الحضاري أمر محرّم شرعًا”.

ولكن، يجب فعليًّا القيام بتشكيل جماعات على غرار “رجال الآثار” لحماية القطع التاريخية الأثرية. وإذا ما أكّد البعض مثل “كلوني” على تواجد هذه الجماعات و”رجال الآثار” فعليًّا بيننا، فلماذا لا يُلبّون نداء ثيران نمرود المجنّحة، أو التعاطي بجدية مع تهديدات زعيم داعش بطمس المعالم وهدم الأهرامات وأبي الهول؟

ويبدو أن هناك عالمين موازيين: عالم يتعامل بجدّية مع كل ما هو “غَربي” ويبذل له الغالي والنَفيس، وعالم آخر يغض الطرف عن كل ما هو “شَرقي”؛ فحضارة الغرب فقط هي ما ينبغي الحفاظ عليها، أما حضارة الشَرق وتراثه وثقافته فلا تَستحق الدفاع عنها أو الموت في سبيلها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد