(1)
أليس غريبًا أنه عند ذهابك لإحدى عيادات علاج السمنة يطلب منك قبل البدء في وضع برنامج، تحليل صورة دم كاملة وتحليل لوظائف الكبد والكلى وربما تحليل للغدة الدرقية – ليتأكد أن المشكلة لا تكمن في هرموناتك كبداية – وأعتمادًا على بيانات التحليل يضع خطة ممهنجة لخسارة الوزن في وقت مناسب دون مشاكل في التغذية، ولكنك عندما تقرأ عن مشكلة ما في مجتمعنا تجلس هكذا وتقرر أن الخلل يكمن في هذا أو ذاك؟

 

(2)
قرأت في أربع مقالات لأحمد خالد توفيق وجلال أمين وأحمد سمير وأستاذة في علم الاجتماع ما تجاوز الـ4 آلاف كلمة ولكني فشلت في العثور على رقم واحد يحللوه ليستدلوا به على آرائهم، هي مجرد آراء في المطلق فما الفرق بين رأي المثقف ورأينا ونحن (جالسون على القهوة)؟ ربما يكمن الفرق في طلاقة لغتهم العربية.

 

يرى أحمد سمير في “فلنتوقف عن التحرّش .. ولنبدأ حق ممارسة الجنس” أن المشكلة يمكن تلخيصها في مقولة “الشباب تعبان” ويطالب كحل لمشكلة التحرش تقليل سنوات الدراسة وإتاحة فرص عمل لخريجي الثانوية (عشان يعرفوا يتجوزوا ويمارسوا حياة جنسية جميلة)، هكذا بتلك البساطة، نخفض سنوات الدراسة بتخلصنا من “حشو المناهج” ونشجع الزواج في سن الـ18 ليس للقضاء على التحرش بخطى منهج قوي ولكن فقط لظن كاتبنا أن المشكلة تكمن في تأخر سن الزواج عن 21 سنة والشباب تعبان.

 

وفيما يشبه البكائية يكتب أحمد خالد توفيق “لن يتغيروا أبدًا” مقالة ينعي فيها أخلاقنا ويسجل ملاحظته في آخر المقالة أن المتحرش في معظم الأوقات يتحرش كواجب ديني مقدس ملقيًا التهمة على التديّن البديل.

 

ويشاركه جلال أمين الرأي ويضيف تمسكه بنظريته عن أبناء الريف الصاعدين للمدن والمنبهرين بحريات نسائها والذين هاجروا للخليج ليعودوا بريالات سعودية ومعتقدات تعصب بالٍ. ولكن يظل أجمل ما قرأت كان رأي أستاذة علم الاجتماع بأنها ترى المشكلة ليست فقط في تأخر سن الزواج ولكن في الفراغ المحيط بشباب بلا هوايات أو قضية فاقترحت توفير تذاكر مجانية للحدائق العامة والمتاحف للشباب المتحرش ليشغل وقت فراغه وأذكر تعليق صديقي على المسألة “طب ما هيروحوا يتحرشوا هناك”.

 

كل هذا الاختلاف والتخبط والهشاشة يبينون مدى نقص المعلومات المتاحة بين أيدي أصحاب الرأي، من أين أتت كل تلك الثقة والنظريات والحلول المقترحه الغريبة؟ كيف لكاتب يحترم قراءه أن يناقش مشكلة في مجتمعه ولا يكلف نفسه عناء البحث عن بيانات متاحة لتلك المشكلة ليكون رأيه أكثر اتزانًا على الأقل؟

 

(3)
صدر تقرير من الأمم المتحدة في أبريل 2013 عن التحرش في مصر وتضمن مستوى الجمهورية بأخذ عينات من القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية والدقهلية والغربية وقنا وأسيوط وبينما اهتمت الصحف فقط بحقيقة أن 99.3% من الإناث المشاركات في الدراسة تعرضوا للتحرش تجاهلت الصحف حقائق أخرى تناولتها الدراسة مثل أن 75% كانوا يرتدون ملابس محافظة وبلا مكياج و18% ملابس محافظة ويضعون مكياج و2% فقط سافرات يضعون مكياج وهو ما يضع نظرية أن المشكلة تكمن في ما ترتديه البنت مثير ويعرضها للتحرش – وبالتالي فكرة التدين البديل – محل شك فكيف يكون تحرش الشاب واجب ديني مقدس إذا كانت معظم وقائع التحرش حدثت لفتيات يرتدون بشكل محافظ بدون مكياج؟!

 

كما أن النسبة الأعظم للمتحرشين كانت بين 19-24 سنة تليها 18 فأقل، فكيف يكون تأخر سن الزواج والبطالة – رغم أن المتعرضات للتحرش يرون بنسبة فاقت 80% أن المتحرش قد يكون عاطلًا – مشكلة رئيسية هنا؟ فالمنطق يقول أن فئة 25-40 يجب أن يكونوا الأكثر تحرشًا لأنهم يعانوا البطالة وتأخر سن الزواج! كما أن 66.5% من التحرش يحدث في المدن مما يفند مزاعم جلال أمين عن أبناء الريف الصاعدين.

 

الفتيات يرون في المعظم أن التحرش زاد بعد الثورة وهو إسقاط غير مباشر على الحالة الأمنية في مصر كما أن احتمالية تعرض الفتاة للتحرش زاد كلما قل عدد من تصحبهم ولا يشعر 85% من الفتيات بالأمان في الشارع ووسائل المواصلات ولذلك تقترح الدراسة من ضمن أربع نقاط زيادة التواجد الشرطي في الأماكن التي يكثر فيها التحرش كما تقترح تغليظ العقوبة وهو ما أراه غير مناسب لأن نفس الدراسة أوضحت أنه عند إمساك الشرطة بمتحرش فإنهم في المعظم يكتفون بإيقافه لا اعتقاله لأن تغليظ العقوبة يجعل العامة يشفقون على المتحرش لأن العقوبة قاسية جدًا وينكرون الجريمة ولكن لن يرونها تستحق تدمير مستقبل الشاب.

 

لدي صديق وجهة نظر ملفته عن علاقة الفصل بين الجنسين من الطفولة وفي المنشآت التعليمية بالتحرش واستدل بذلك على أن أقل نسب تحرش وجدتها الدراسة وربما من أعلى نسب شعور الفتيات بالأمان كانت في الجامعات وبين زملاء الدراسة وأن أعلى نسب تحرش يمكن أن تجدها في أكثر الدول صرامة في تطبيق الفصل مثل أفغانستان والسعودية ومصر وهو ما يحتاج دراسة متعمقة ربما يكره الأصولي نتائجها. يمكنك تصفح الدراسة بنفسك هنا في المقال، في النهاية هذا ليس تقريرًا صحفيًا وأنا فقط أتناول التحرش كمثال.

 

(4)
في كتابfreakonomics يحاول الكاتب Steven D. Levitt وهو عالم اقتصاد أن يطبق ما يجيده وهو تحليل البيانات لتكوين نظرية تتيح له التنبؤ بمتغيرات المجتمع الأمريكي وبالتالي التعامل معها.

 

يستعين الكاتب بدراسة الحكومة الأمريكية – التي جمعت نتائج 20 ألف طفل من الحضانة حتى الصف الخامس وربطتها بخلفيتهم الاجتماعية والعرقية ومستوي تعليم آبائهم – لكي يفحص مدى تأثير 16عاملًا في تربية الأطفال لزيادة ثقافته وذكائه وإبداعه ربما، ويستدل بالأرقام أن أكثر 8 عوامل مؤثرة على علاقة مباشرة بجينات الأب والأم (الطفل متبنى أم لا، الطفل لديه كتب كثيرة في منزله، مستوى الآباء الاجتماعي ومستوى تعليمهم..إلخ) وذكاؤهم.

وأكثر 8 عوامل غير مؤثرة على علاقة مباشرة بطريقتهم في التربية! (عائلة مفككة أم لا، هل تعمل الأم في الفترة بين ولادة الطفل وبين دخوله الحضانة، الطفل يتعرض للضرب أويشاهد التلفاز بكثرة… إلخ) فبينما ينهمك الآباء في كتب تربية الأطفال ونصائح الأقارب تكون خصائص الطفل المميزة قد تحددت سلفًا.

 

عندما قرأت ذلك المثال أدركت أهمية تطوير وعينا بالمشكلة عن طريق جمع ما يمكننا من بيانات بخصوصها، ودراسة حلولنا المطبقة بالفعل بدراسة التغير في تلك البيانات وتكوين نظريات أكثر اتزانا، قد نرى نظريات كنا لنرفضها أو على الأقل ما كانت لتخطر في بالنا لولا توافر البيانات اللازمة ولكنها تطرح تساؤلًا مهمًا عن أهمية البيانات مقارنة بالحدس الخادع، وعن الطريقة التي نتعامل بها ويتعامل بها مثقفونا مع مشاكل مجتمعنا بالـ(فهلوة).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد