كان الليبراليون، والقوميون، والاشتراكيون، والعلمانيون العرب يشغلوننا دائمًا بمبادئ حقوق الإنسان، والمواطنة المتساوية، وحقوق المرأة، والديمقراطية، وحرية الرأي، والتعبير، وحرية المعتقد، وفصل الدين عن الدولة، وسيادة القانون، وعلمانية الدولة…إلخ. كان المواطن العربي يصدق تلك الخرافات التي تبناها ما يسمى بالليبراليون العرب. مرت عقود من الزمن والوطن العربي يرزح تحت نير عصابات عسكرية ومشيخية وسلطانية. كان الليبراليون العرب هم الأبواق للأنظمة الظالمة. لم يكن زعيم الدولة في بعض البلدان العربية يعرف إجادة الخطاب، فكان ما يسمى بالمثقف اليساري يكتب بقلمه الملوث الخطاب لرئيس الدولة. كانت تلك الأقلام المأجورة تبث سمومها الفكرية المزيفة في الأماكن العامة والمنتديات الثقافية والجامعات، فكان المواطن العربي المعروف بطيبته يتقبلها بصدر رحب.

جاءت ثورات الربيع العربي وكشفت المستور وأظهرت حقيقة تلك العصابة الليبرالية التي لا تعرف من الليبرالية سِوى الاسم. كان الليبراليون العرب شركاء في ثورة يناير 2011 المصرية، لكن، سرعان ما انقلبوا عليها حينما رأوا الكفة مالت لصالح الحركة الإسلامية، فكفروا بالليبرالية، والاشتراكية، والديمقراطية وأيدوا حكم العسكر نكاية بجماعة الإخوان المسلمين المصرية. كما رأينا ما يسمى بالأحزاب اليسارية اليمنية التي كانت شريكة في ثورة 11 فبراير اليمنية في العام 2011. عندما رأوا الكفة مالت لصالح حزب الإصلاح اليمني، بدؤوا يتآمرون على هذا الحزب  المدني العريق ويعقدون الصفقات السرية مع المليشيات المسلحة القادمة من كهوف الظلم. أمّا في تونس فقد كان الغنوشي أذكى من الجميع فخيب آمال الليبراليين هناك. أمّا في سوريا فلا زال بعض الليبراليين يؤيدون القتل والخراب هناك، وللأسف كان على رأس هؤلاء المثقفين أو الليبراليين المثقف والشاعر أدونيس الذي أيّد نظام الرئيس بشار الأسد، كان يشغلنا أدونيس بقصائده وأفكاره اليسارية، لكن مواقفه الأخيرة وتأييده للظلم في سوريا كشفت زيف ما كان يدعيه. لا ننسى أنّه بعد تأييد الليبراليين العرب للعسكر والمليشيات انقلب السحر على الساحر وأصبحوا ضحية للعسكر. لكن، لن يأسف عليهم أحد، والمثل الشعبي يقول: «يستاهل البرد من ضيع دفاه»

لم نتفاجأ من مواقف هؤلاء، فتاريخهم معروف منذُ خمسينيات القرن الماضي. لم يقدموا شيئًا يُذكر لشعوبهم سِوى مقطوعات أدبية غرامية وكتابة بعض المقالات التي تؤيد الأنظمة الظالمة.

قامت اليوم بعض الأنظمة العربية بحجب مواقع إخبارية عربية، وقنوات تلفزيونية تحت دواعي مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه الفكرية. لم تساند هذه المواقع الإخبارية والقنوات العربية الإرهاب، ولم تتبن عناصر إرهابية، كل جرمها أنّها فتحت الباب على مصراعيه للشباب العربي كي يعبروا عن حلمهم، ومستقبلهم، وطموحاتهم. كل جرمها أنّها تقول الحقيقة ولا تخاف، وتفتح الباب للرأي والرأي الآخر. لكن، لم يرق ذلك للأنظمة العربية المتحجرة. قامت بحجبها واختلاق الكذب عليها. شرح أسباب حجب هذه المواقع يحتاج لمقال آخر. الغريب في الموضوع ليس الحجب، ولكن عندما رأينا الليبراليون العرب يهللون ويباركون للأنظمة العربية التي قامت بحجب تلك القنوات الإخبارية والمواقع العربية، إنّه الحسد، إنّه الفجور في الخصومة. ألم تكونوا تنادون أيها الليبراليون بحرية الصحافة والتعبير، وتحريم كتم الأصوات الحرة. أين أنتم من تلك المبادئ التي شغلتمونا بها على مدى العقود الماضية. وإذا كنتم تنادون بالانفتاح والتعددية، فلماذا لا تطيقون قناة واحدة؟ كيف سيكون الحال لو كان هناك عشرات القنوات؟ ماذا تريدون بالضبط ممن يخالفكم الرأي؟ تكلموا بصراحة ولا تخافوا من أحد فنحن نعيش في القرن الـ12. وهنا يتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي: لماذا يهلل الليبراليون العرب للأنظمة القمعية العربية؟ والإجابة بسيطة، وهو عندما يضيع الضمير الإنساني، والمبادئ والقيم، فلنتوقع كل شيء وهو ما نراه ماثلا أمام أعيننا من قِبل من يسمون أنفسهم بالليبراليون العرب.

ختامًا..
نؤكد بأن كل دعاة الليبرالية العرب ما هم إلا جزء من ثقافة عفوية بُنيت على باطل. انتهت الآن، وأصبحت جزءًا من الماضي، ولن يتقبلها المواطن العربي. نحن اليوم بصدد جيل يعرف ماذا يريد. جيل لا يعرف سِوى العزة بالنفس، وبثقافته وهويته، ودينه، وبالتالي مهما حاولوا حجب القنوات والمواقع الإخبارية، فلن يستطيعوا حجب العقول والأفكار، فنحن اليوم نخوض ثورة فكرية ثقافية، والأيام القادمة حبلى بالمفآجات لصالح المواطن العربي، وستصبح الأنظمة العربية الدكتاتورية جزءًا من الماضي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد