يحار المرء عند إجراء مقارنة بين حال العرب والغرب من حجم الفجوة الهائلة التي تفصل بينهما في ميادين شتى، ويتساءل كثيرون عن سر هذا الفارق، وما إذا كان يتعلق بالفرد أو بالمنظومة المجتمعية ككل. من الواضح أن الغرب يتفوق على العرب بطريقة لافتة على مستوى المؤسسة والنظام والمجتمع، وهو الأمر الذي لا ينسحب على ميدان التنافس الفردي، حيث يتفوق الفرد العربي أحيانًا على الفرد الغربي في مجالات كثيرة، بيد أن هذا المستوى من التقييم لا يعتبر معيارًا للتقدم أو التأخر، فضلًا عن أن يكون قرينة للتفوق الجمعي بحال من الأحوال.

يمثل تباين نتائج المقارنة بين مستويي العلاقة مفارقة يستلزم المقام تحديدها والكشف عن حقيقتها، وهي تقود للتعرف على مكامن القوة أو أسباب الضعف التي تمتاز بها أمة من الأمم، ويفتح المجال لوضع اليد على الجرح الذي لا يبارح ساحتنا، ويكشف عن علة تخلفنا عقودًا طويلة عن غيرنا من الأمم.

يصطبغ التدافع الفردي في الغالب بالصبغة الطبيعية التي لم تخضع لمحاولات التحسين القصدي الممنهج، وهو يكشف عن قدرات وإمكانات الفرد بوصفه كيانًا منفصلًا نسبيًّا عن المجتمع الذي نشأ فيه، فيما تكشف مخرجات هذا التدافع عن طاقاته الابتدائية البكر، والتي لا تتأثر بطبيعة المجتمع الذي أنتج ذلك الفرد إيجابًا أو سلبًا إلا بقدر يسير، ووفقًا لهذه المعطيات، يمكن لنا نحن العرب أن ننال حصتنا من التفوق المعقول في ميادين التسابق العالمي على المستوى الفردي، ويتجسد ذلك حقيقة في صور كثيرة نلمسها بوضوح في ميادين العلم والابتكار والقتال والرياضة، وغيرها من ميادين التنافس وإبراز القدرات الفردية، كل ذلك، بالرغم من التأثير الإيجابي النسبي الذي يوفره المجتمع الغربي للفرد الغربي من جهة، والتأثير السلبي النسبي الذي يفرضه المجتمع العربي على الفرد العربي من جهة أخرى، وهما يخوضان المعركة الفردية المجردة.

بيد أن الحكاية لا تنتهي عند هذا الحد، لا بل إنها تبدأ عنده تحديدًا، حيث يتم استحضار إمكانات الفرد وطاقاته – مهما كانت متواضعة- ودمجها في منظومة العمل الجماعي المنظم، لتحسينها والاستثمار فيها، كما هو الحال في الغرب اليوم، وينتج عن ذلك تفوق جماعي مبهر، فتجد الفرد يبحث عن كيانه الذاتي في صلب المنظومة المجتمعية ككل، وطالما أنه يجدها شاخصة بوضوح في الواقع الموضوعي من حوله، كما في وعيه فردًا ينتمي للمجموع، فإنك تراه وقد توارت لديه نزعة الأنا الفردية وتذوب لديه الرغبة بالتشاوف ولفت أنظار الآخرين، وتتواضع جهوده المبذولة لتسليط الأضواء على شخصه المفرد، لأنه يجد ذاته ويحققها من خلال المجموع الواعي، فتقوم علاقة من الانسجام والشعور المتبادل بالامتنان بين الفرد والمجتمع، تتجسد في القانون الذي ينظم العلاقة بينهما بتوازن وتكامل، ويتعزز حال الوفاق بينهما عندما ينال الفرد من المجتمع كل حقوقه، كاملة غير منقوصة، فلا يتعرض للتعسف أو الظلم أو التغرير أو التمييز أو الخداع.

 وفي الأثناء يحتفظ الفرد باخلاصه وانتمائه للمجتمع الذي يحتويه. وعندما تسود هذه الروح في علاقة الفرد بالمجتمع والمجتمع بالفرد، وتستحيل إلى طبع أو مركب ثقافي في نسيج أمة من الأمم، يصبح عندها التقدم والرفاه والهناء واستدامته الخير قانونًا لا يتخلف.

في المقابل، يتم إهمال إمكانات الأفراد وتركها لحالتها (الطبيعية) كما هو الحال في عالمنا العربي، فلا يهتم أحد لترقيتها، ولا يتلقى أصحابها دعمًا ولا تشجيعًا، وكأنه لا دولة هناك ولا نظام ولا أجهزة ولا مؤسسات وظيفتها التخطيط لاستكشاف المواهب والطاقات، ولا برامج لتشغيلها والاستثمار فيها وصقلها، والأنكى من ذلك أن ما قد يظهر من إمكانات فردية واعدة، وطاقات مميزة بقوة الدفع الطبيعي والذاتي فحسب، ومهما كانت فرادتها واستثنائيتها، فإنه يُعمد إلى قتلها في مهدها وتقام في وجهها كل العوائق والسدود، وكأن أصحابها قد أتوا بكبيرة منكرة، فيبقى الحال العام على ما هو عليه من التراجع والتيه والانحسار، بل ينتقل من سيء إلى ما هو أسوأ، فلا المجتمع ينصلح حاله، ولا الفرد يجد الرضا والانسجام، فضلًا عن أن يشعر بحرارة الانتماء، فتتسع شقة الفجوة بين الاثنين، وتفتقد علاقتهما للدفء والثقة، فيكون الشعور بالغربة والتيه سيد الموقف بالنسبة للكثيرين منا، وهم يعيشون على أرضهم وبين ذويهم.

الفرق بيننا وبين الغرب لا يتعلق بتفوق عقلي أو جبلي، ولا بلون البشرة أو باللغة المحكية، إنه ليس له علاقة بالدين أو منظومة الثقافة والتقاليد الشائعة، إنه يتعلق بكلمة واحدة (النظام)، والانسجام مع قانون التمكين، فهم النظام الذي يجعل لأي جهد أو ميزة قيمة ومعنى فيعززها بالاستثمار والاستبقاء، في مقابل ما لدينا من العفوية والفوضى واللانظام، فأي شقة بيننا وبينهم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد