كيف يفرض إنسان سلطته على إنسان آخر يا ونستون؟

‏فكر ونستون ثم قال: بأن يجعله يعاني!

– جورج أورويل/ 1984

أهلًا بك في العام 2021! هل تقصد فعلًا أن لا أحد يحصل على ما يريد؟ أم أن لا أحد يحصل على ما يستحق؟ لنزيد الطين بلة، هل تعني أن لا أحد يحصل على ما يسعده أو يرضيه؟ هل هناك فارق بين أن يحصل أحد ما على ما يريد؟ وبين أن يحصل أحد ما على ما يستحقه؟ وبين أن يحصل أحد ما على ما يسعده؟ تلك فتنة بالغة!

هل الذي نريده فعلًا هو الذي يرضينا ويسعدنا؟ هل الذي نستحقه فعلًا هو ما نريده؟ هل الذي نحصل عليه هو فعلًا ما نريده؟ تلك أسئلة مبتورة لم أقف عندها كثيرًا، تحتاج عدة حيوات كي أسأل البعض عما يريده، وهل هو ما يرضيهم ويسعدهم؟ وهل في رؤيتهم أصلًا ذلك الذي يحصلون عليه هو ما يريدونه فعلًا أو يستحقونه من وجهة نظرهم؟

ستسير معي في رحلة قصيرة، رحلة غير ممتعة، مرهقة، سنسافر معًا كرحالة بدائيين لا نبحث عن الحكمة، ولن تبحث هي عنا في المقابل، أتعرف تلك الرحلات المملة التي لا توجد حكمة في المغزي من ورائها، ومنها أصلًا؟ هي رحلة لن تكون فلسفية، لن تكون مثل تلك الرحلات التي يتجهز لها من يسعى لحكمة غائبة؛ فالحكمة الخالصة توجد هناك تحت تراب كثير انهال عليها، ولم يعطها أو يمنحها الفرصة كي تعبر عن نفسها، ما الفرق بين أن يعطيها وأن يمنحها؟ لا تهتم تلك قصة أخرى.

إذًا أنت تسأل: هل يحصل أحد على الذي يريده؟ وأنا أسالك: هل الذي تريده ذلك هو ما يرضيك فعلًا؟ هل ذلك ما يسعدك؟ وأتمم لك الليالي ثلاثًا، هل ذلك ما تستحقه؟ إن حصلت على ما تريده فهل هو فعلًا ما تستحقه؟ تلك أسئلة بائنة.

ما الذي نريد؟

ينقسم البشر في ذلك إلى عدة أنواع لا يمكن حصرها؛ فمنهم من يريد المال، ومنهم من يريد السلطة، ومنهم من يريد الحكمة، ومنهم من يريد الشهوات، ومنهم من يريد ملك الدنيا، ومنهم من يريد الشهرة.

كلهم يسبقهم يريد كذا، ذلك كله صنف واحد من البشر، الذين يريدون، ما بال الأنواع الباقية، الذين لا يريدون، توقفوا عن أن يريدوا شيئًا ما، توقفوا عن ذلك لأنهم ظنوا أنهم وصلوا لسقف الحكمة، ونهاية العالم، فباتوا ظاهرًا لا يريدون شيء، وهم بذلك يريدون أن يظهروا للآخرين أنهم لا يريدون شيئًا، ذلك صنف لعين، التقية لا تشترى، ولكنها تكون في الداخل كجوهرة نادرة، إذًا هناك بعض من الذين لا يريدون فعلًا شيئًا ما، فاسدو الإرداة، ومن داخلهم يريدون أن يظهروا بمنظر أنهم لا يريدون، أنت لم تزل معي! ألست كذلك؟

هناك صنف آخر لا يريد شيئًا، وفعلًا من داخله لا يريد حتى أن يظهر للآخرين أنه لا يريد، هناك نوع آخر يظن أنه لا يريد فعلً،ا وفي أول أختبار تنهار كل سدود أنه لا يريد، ويبدأ في أن يريد، تلك اختبارات وامتحانات من الله عز وجل، وقاكم الله شر المحن والاختبارات، هناك صنف آخر لا يدرك ما الذي يريده، يهيم على وجهه يظن كإبراهيم – عليه سلام الله ورحمته ورضوانه – أن ذلك ربه، وذاك ربه، حتى يهديه الله عز وجل لما يريد فعلًا.

أتسألني ما الذي أريد، لعمري ذلك سؤال قاس، أنا لا أريد شيئًا، لا أطمح لشيء بعينه، قد يكون هناك ما أريد بيني وبين الله ووقتها لا دخل لك بيننا، لكن من بعض ما أريد أن يمكن لي الله في الأرض، أن يمنحني اللطف في يديّ، وفي عينيّ، وممشاي، أن يجعلني حلالًا للمشاكل، أن ينجيني من الاختبارات والزلل، أن يمنحني القدرة على البصيرة، وينير بصري، ويجعل من فؤادي عامرًا به، أن يغفر زلاتي، وينجيني برحمته، لا بعملي، هل ذلك كاف؟ لا، لكن ما بقي لا دخل لبشري فيه.

وهل الذي نريد هو ما فيه الخير لنا؟

أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، أليس ما نريد هو ما نسعى له وحوله، أهو خير؟ أهو شر؟ لا أعلم ولن تعلم، هل هو الخير لك؟ الشر لك، لا أعرف، نحن نسعى لنحصل على ما نريد أليس كذلك؟ ذلك السؤال أكثر صعوبة والتفافًا من سؤال هل ما نريده هو فعلًا الذي سيمنحنا السعادة والرضا، تلك أسئلة شائكة، قد يكون في ما نريد الخير، ولكن حصولنا عليه قد يكون شرًا، بقدر ما يكون شرًا، وعندما نحصل عليه يكون فيه الخير لنا، هناك دوامات من كل شيء، وخيارات وسياقات لا تنتهي، أترى رمال الصحراء تلك، ذلك عدد السياقات، أترى تلك النبتة هناك، التي تشرع في أن ترويها ببعض من مائك؟ قد يكون شرًا لها أن ترويها، قد يكن خيرًا لها أن تفعل؟ لا أعلم أنت تسعى كي تسقيها، ولا تدرك النتائج، تلك حيرة هائلة.

هل الذي نريد هو الذي سيمنحنا السعادة؟

أتعرف أنواع البشر الذين يريدون، والذين يريدون ويبدون أنهم لا يريدون، والبعض الآخر الذين يدرون فعلًا أنهم لا يريدون، والآخرين الذين لا يريدون، ولكن في وقت الاختبار والمنح تتغير الطبائع فيريدون؟

ضع كل هؤلاء في غرفة مغلقة، وأحضر النبتة التي قمت بريها منذ قليل، وأخبرهم بعد أن حصلوا على ما أرادوه، هل في ذلك السعادة لكم والرضا؟ هل فعلًا ما أردتموه هو ما فيه سعادتكم ورضاكم؟ ستسمع قصصًا من الحيرة، لا يدري أحد هل الذي حصل عليه فعلًا هو ما أسعده؟ أم أن ما أسعده فعلًا هو ما لم يرده، ولم يحصل عليه، تلك قصص متشابكة، سيخبرك البعض أنه لم يحصل أبدًا على ما يريد، ولكنه في غاية السعادة، ويخبرك البعض أنه حصل على كل ما أراده في الدنيا تلك وكان على خطأ، تلك مزحة بائخة، ذلك باب ما جاء في السخرية، هل الذي تريده فعلًا هو الذي سيمنحك السعادة؟ فكر في ذلك مرارًا، النصيب يصيب والهوى غلاب، والقلوب معلقة بخيوط من لطف الله الخفي، فكر مرة ثانية أنك ستسقي النبتة، وكل ساق سيسقى مما سقي، لا تحزن! لطف الله الخفي حولنا، ابتهج، حبال الله معلقة بأيدينا، فقط ادع الله أن يرزقك ما هو نصيبك.

هل ما نحصل عليه هو ما نستحقه؟

شارفت رحلتك معي على الانتهاء، أنت الآن احترت أكثر مما بدأت معي رحلتك، أنت الآن لا تدرك هل ما تريده فعلًا هو ما يسعدك ويرضيك؟ هل هو ما فيه الخير لك؟ أم لا؟ أخيرًا هل ما ستحصل عليه بعد أن كنت تريده هو ما تستحقه، أحضر نفس الأنواع أعلاه، ولا تنس النبتة لو تكرمت، اسألهم بعد أن حصلتم على كل ما تريدون، بغض النظر عن كون ذلك فيه الخير لكم أم لا، وبغض النظر هل في ذلك السعادة والرضا لكم، هل ذلك ما تستحقون، تلك قضمة كبيرة من الحيرة، التردد، سيتردد الكثيرون ممن أرداون الكثير، في أن يخبروك، نعم ذلك هو ما نستحقه لأسباب كثيرة، لا أعلم عنها شيئًا، هناك كلهم في الغرفة يمكنك أن تسألهم بنفسك، لا يقنع أحد بأن ما يريده وبعد أن يحصل عليه أن ذلك هو ما يستحقه، والأدهي أن لا أحد ممن أراد شيئًا ولم يحصل عليه علم أن ذلك هو ما يستحقه، دومًا العيب ليس فينا، في الزمن في النصيب في الظروف، في كل شيء، ليس نحن.

تسألني عني أنا؟ تلك مباغتة، لكن سأخبرك، شارفت رحلتك على الانتهاء معي، قد لا يكتب أن تركب معي في رحلة مجددًا، لكن سأخبرك، أنا راض تمامًا بالنصيب، وبما حصلت عليه، كل الأشياء التي أردتها ولم أحصل عليها، أنا راض بها، كل الأشياء التي لم أردها وحصلت عليها راض بها، كل الأشياء التي لم أردها ولم أحصل عليها راض بها، كل الأشياء التي حققت لي السعادة ولم أطلبها راض بها، كل الأشياء التي سببت لي التعاسة رغم أنني أردتها راض بها، كل الذي حصلت عليه هو ما أستحقه تمامًا، وكل الأشياء التي لم أحصل عليها كذلك هي كل ما أستحقه، كل ما حدث لي ويحدث لي وسيحدث لي هو نصيبي تمامًا، اختياراتي واختباراتي، لم ترضك إجابتي؟ ومع ذلك لن يغير منها شيء؛ فهي ستظل إجابتي.

شكرًا لك لأنك لم ترد إجابتي ومع ذلك حصلت عليها، قد تسعدك أو تتعسك، لا أعرف ولن تعرف، قد تسعدك الآن، وتتعسك فيما بعد، قد تتعسك الآن، ولكن قد ترسم لك السعادة فيما بعد، لكن هل تلك إجابة مستحقة عن سؤال مثل ذلك؟ لا، أنا أجبت عنها من وجهة نظري التي أستحقها، وقد تكون تستحق إجابات أكثر، من يدري! وهل كل من يدري يريد! وهل كل من يريد شيئًا سيحصل عليه، تلك كًرة خاسرة!

مودتي لك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد