منذ عامين التقيته كزميل دراسة في أولى محاضراتي للعلوم السياسية.

 

 

 

شاب أمريكي أبيض يطيل شعره قليلًا ويحمل بداخله قدرًا من التمرد غير عادي يجعله يطلق السباب البذيء يمينًا ويسارًا كلما جاءت سيرة السياسة الأمريكية الداخلية أو الخارجية على حد سواء.

 

الشاب يدعى ديفيد. حسنًا .. ربما لم يكن اسمه ديفيد! فأنا أحمل ذاكرة رديئة للغاية حين يتعلق الأمر بالأسماء على أية حال، لذا دعنا نفترض أن اسمه ديفيد. ديفيد شاب في العشرينيات من عمره، ينتمي لأسرة ميسورة الحال. كان على وشك إنهاء دراسته الجامعية منذ بضعة سنوات حين دفعه الفضول للسفر للتبادل الدراسي في أمريكا اللاتينية، حيث قادته روحه المتمردة إلى اعتناق الأفكار الثورية عن العدالة الإجتماعية وإعادة توزيع الثروة والانتصار للمهمشين. لم تلق تلك الأفكار ترحيبًا من عائلته بعد رجوعه فكانت سببًا في توقفهم عن تسديد نفقات دراسته، ليعيد هو شق طريقه معتمدًا على نفسه.

 

في هذا العام كان مصطلح “ثورة” يملأ الأجواء. فمن بين موجات الربيع العربي التي ألهمت الكثيرين، خرجت حركة شعبية أمريكية تدعو لاحتلال الميادين الكبرى والاعتصام بها احتجاجًا على جشع الأغنياء وتآكل الطبقة الوسطى.

 

انضم ديفيد بطبيعة الحال ومعه عدد قليل من زملاء الدراسة لتلك الحركة، واهتموا بنقل أخبار الاحتجاجات لنا أولًا بأول. حتى جاء ذلك اليوم الذي اختفى فيه ديفيد بعد مواجهات مع الشرطة انتهت بإلقاء القبض على العشرات، لنعلم بعدها أنه كان أحدهم.

 

كان وقع الخبر علينا مفاجئًا. وكانت المفاجأة الأكبر حين علمنا من أستاذة المادة أن والد ديفيد يشغل منصبًا حساسًا رفيع المستوى كقاضٍ فيدرالي، وهو ما أضفى بُعدًا آخر على اختيارات ديفيد غير التقليدية. دقائق قليلة كانت عمر الصدمة، هز بعدها الغالبية أكتافهم في لامبالاة وتبادلوا النكات عن ديفيد المتمرد الذي لم يكن يروق لهم كثيرًا، ثم استكملوا يومهم بشكل طبيعي.

 

ألحت علي صورة ديفيد هذه الأيام كلما طالعت في نشرات الأخبار صور الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت على مدار الأسابيع الماضية في الولايات المتحدة تنديدًا بالتفرقة العنصرية، والتي انتهت كسابقاتها من الاحتجاجات بعودة الجميع إلى منازلهم دون تحقيق تغيير ملموس. وألح معها السؤال الذي ظل يؤرقني منذ حينها: لماذا لا يثور الأمريكيون؟

 

اختلفت النظريات التي حاولت تفسير سبب إحجام الأمريكيين عن الثورة، أو حتى عن تنظيم موجات احتجاجية مؤثرة كتلك التي أدت لإصلاحات اقتصادية واسعة في ثلاثينيات القرن الماضي، لكنها لم تختلف كثيرًا في تشريحها لنفسية المجتمع الأمريكي في الوقت الحالي.

 

المجتمع الذي يمتلك الواحد في المئة الأغنى فيه قرابة النصف من ثروته القومية، وينال معها الكثير من الإعفاءات الضريبية غير المستحقة. ومع ذلك لا يجد التسعة وتسعون في المئة الباقين غضاضة في قبول هذا، لأنهم يحملون قناعة غير منطقية أنهم إذا اجتهدوا بالقدر الكافي فربما ينتقلون يومًا ما لخانة الواحد في المئة. وذلك على الرغم من أن احتمالية حدوث أمر كهذا للمواطن العادي لا تتعدى احتمالية ربحه للجائزة الكبرى لليانصيب.

 

يفسر البعض عزوف الأمريكيين عن الاحتجاج بأنه نتيجة لخوف الطبقة العاملة من فقدان وظائفهم بعد تقلص نشاط النقابات العمالية بشكل كبير. يرجح البعض الآخر أن السبب يرجع بالأساس للقيود المادية التي تكبل الطلبة الجامعيين من قروض تعليمية وخلافه، وهم الشريحة الأكثر ميلًا لاعتناق الأفكار الثورية. في حين يرى البعض أن الشعب الأمريكي قد أصبح في معظمه يميل للتعامل مع الأمر بسخرية من لا يرى أملًا في الإصلاح.

 

لكن جميع تلك التفسيرات كانت تتعامل مع النتائج النهائية على أرض الواقع بدون بحث وراء الأسباب التي أدت لهذه التركيبة السلبية في المجتمع الأمريكي. وحده شومسكي من أعطاني صورة أكثر عمقًا.

 

في كتابه “أنظمة القوى”، يحلل شومسكي النموذج الأمريكي بشكله الحالي، والذي تحول لمجتمع من الجزر المنعزلة يبحث كل فرد فيها عن مصلحته ولا يعبأ بالصالح العام.

يرى شومسكي أن هذا التفكك كان مقصودًا لأنه يجعل المجتمع أسهل للسيطرة. فحين تصبح القوة خيارًا غير مقبول للتحكم في الجماهير، تلجأ أنظمة الحكم للتأثير على أفكار ومعتقدات الناس كوسيلة بديلة لإحكام السيطرة عليهم.

 

ولتحقيق هذا الغرض، تستخدم أنظمة الحكم آليات البروباجاندا والإعلام لكي تحول اهتمام الجماهير لأمور سطحية، وتخفي عنهم ما لا تريد لهم معرفته تحت ستار الأمن القومي، وتسعى للتقليل من ترابطهم لكي يصبحوا أفرادًا سلبيين عاجزين عن مقاومة النموذج الذي يفرض عليهم.

 

لذلك يرى شومسكي أن أهمية الحركات الشعبية الاحتجاجية لا تنبع فقط من أنها تطرح الأسئلة التي تهم الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي، ولكن لأنها تخلق بالإضافة لذلك حالة مجتمعية من التقارب والنقاش تتحدى العزلة التي يعيش فيها الأمريكيون منذ زمن ليس بالقصير.

 

العامل الآخر الذي يلقي عليه شومسكي الضوء في كتابه، والذي يحمل أهمية قصوى في تشكيل وعي المجتمع هو التعليم. يرى شومسكي أن نظام التعليم المفضل دومًا لأنظمة الحكم هو ذلك الذي يغرس في النشء تقاليد الطاعة، واحترام السلطة، ولا يشجع على طرح الكثير من الأسئلة. ببساطة لأن التساؤل يدفع للتشكك في نوايا السلطة، ويغري بالتمرد عليها، وهو ما يشكل خطورة على استقرار تلك الأنظمة.

 

يذكر شومسكي في ذلك السياق قصة ذات مغزى لكي يضرب بها مثلًا على نوعية التعليم الذي يجب أن يطمح إليه الأمريكيون. تحكي القصة عن تجربة قامت بها أستاذة تاريخ لتدريس الثورة الأمريكية لتلاميذ الصف السادس. فماذا فعلت؟

قبل بضعة أسابيع من موعد بدء الدرس، أخذت المُعلمة في التعامل بشكل شديد الصرامة مع تلاميذها. أصدرت الأوامر يمينًا ويسارًا، وجعلت الصغار يقومون بأعمال لم يكونوا يريدون القيام بها.

تصاعد حنق التلاميذ وأرادوا أن يفعلوا شيئا حيال سلوك المُعلمة فبدأوا في التجمع والاحتجاج. حين وصلوا لتلك النقطة قالت لهم المُعلمة: “حسنًا .. افتحوا كتبكم على درس الثورة الأمريكية، ربما يمكنكم الآن أن تدركوا لماذا تثور الشعوب”.

 

****

 

بعد مرور عام على حادثة احتجاز ديفيد، سألتقيه مرة أخرى في قاعة المحاضرات وقد تبخرت الآمال العريضة التي كان هو ورفاقه يضعونها على حركة احتلال الميادين بعد عجز أعضائها عن الاتفاق على مطالب واضحة ومحددة، مما أدى لانفضاض الجمع من حولهم. سيصبح شعر ديفيد أقصر قليلًا، ويغدو لسانه أقل حدة، وستصير عيناه أضعف لمعانًا ..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد