تعتبر القراءة حرية مطلقة، ولعل هذا التعريف البسيط يعبر عن جوهرها بشكل ما، كما أن للقراءة مفاهيم كثيرة بغض النظر عن الأشكال الكثيرة لها والتوجهات والاختلافات، ولهذا قلت إن القراءة حرية مطلقة، وقال في هذا الصدد الأستاذ محمود العقاد: القراءة وحدها هي التي تعطي الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة؛ لأنها تزيد هذه الحياة عمقًا، وإن كانت لا تطيلها بمقدار الحساب وأضاف أيضًا أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا وحياة واحدة لا تكفيني.

القراءة تجعلنا نعيش فعلًا حيوات كثيرة، بل أكثر من ذلك نعيش مع أبطال القصص والروايات التي أعطاها الكاتب حياة ومساحة في زمان ومكان معينان بدقة، وكذلك هي رحلة شيقة مع الأبطال في أفكارهم وأفعالهم، ولكل عمل أدبي رمز يشير إليه الكاتب من خلال أسلوب معين، لكن هنا لن ندخل في تفاصيل الكتابة، وإنما القراءة، لأنها الأساس الهام، أما ما يخص العمل وشكله وطريقة طرحه الأفكار، والأسلوب الذي قدم به للقارئ، سواء كان هذا العمل قصة أم رواية أو كتب فكرية ذات طابع دسم، فذلك يستلزم التدقيق والعيش في الكتاب، لكن القراء المبتدئين، ولا أتحدث عن الأطفال، إذ سأوضح مشكلة القراءة بالنسبة للأطفال مع الحل أيضًا في آخر المقال.

الأسباب الكامنة وراء عدم القراءة هي قلة التوعية والتحسيس بأهميتها لدى الدولة بشكل عام والأسرة بشكل خاص، بالنسبة للدولة لا تقوم بطرح قضية القراءة على الطاولة لمناقشتها ومعرفة الأسباب والحلول الواجب فعلها، وكذلك لا تقوم بتطبيق الحلول، نحن نعيش في عصر متطور وأقل شيء يمكن فعله إذا استصعب الأمر هو جلب خطة إستراتيجية بناءة من دولة أوروبية عانت من نفس الأمر في السابق وتطبيقها بشكل جزئي شيئًا فشيئًا، إلى أن يتم المصادقة عليها بشكل كامل بعد القيام باستنتاجات تكشف نتائجها وفاعليتها، لكن قبل أن نقوم باستقطاب خطة أو اختراعها على مستوى يناسب مجتمعنا، يجب توفير ظروف القراءة، يجب على الدولة إنشاء خطط على الصعيد الدولي، يجب على الدولة إنشاء مكتبات كثيرة، وأماكن خاصة بالقراءة، وإنشاء مواقع خاصة بالقراءة أيضًا، وبث برامج ثقافية أسبوعية تعطي الفرصة للأشخاص الأميين أيضًا، وفي وقتنا هذا لا يوجد منزل بدون تلفاز، بدون هاتف ذكي، لماذا لا يتم استدراج هذه الوسائل في الخطة؟

على الدولة واجب كبير ومسؤولية كما على الأسرة، حتى أن الأسرة هي المنبع، هي المنشأ الأول الذي يخرج منها إلى المجتمع الإنسان غير الواعي، ولا أقصد الكل بكلامي ولا ألوم أحدًا، لكن عندما ندخل للمؤسسات التعليمية والإدارات والمراكز العمومية، نجد أن الأشخاص الذي نتعامل معهم غير واعون، وكذلك في الشارع نواجه نفس الأمر، والأصعب هو الشخص المتعلم غير الواعي، لذا فالأسرة هي المدرسة الأولى للطفل، وواجب على الأبوين توعية أبنائهما، وتخصيص مكان في البيت للقراءة، لا مشكلة في إنشاء مكتبة صغيرة وملئها بكتب تلائم سن الطفل أو الشاب.

وبعد أن نغرس في الطفل فعل القراءة، فلا شك أبدًا أنها ستكون عادة ملازمة معه إلى الأبد، ستكون بالنسبة له حاجة أساسية مثل الأكل والنوم؛ لأنها تربت فيه منذ الصغر، وإذا نظرنا للعباقرة، أو المخترعين، أو العلماء، أو أي شخص ناجح في حياته، لا بد من رؤية مكتبة في منزلة، أو كتاب يحمله برفقته، ومثال على هذا مارك زوكربيرغ مخترع «الفيسبوك» ظهر في العديد من الصور يقرأ والهاتف بجانبه منطفئ، بيل غيتس أيضًا وغيرهما، الكثير من الأمثلة موجودة في الواقع الحي، لكننا لا نبصر الحقيقة.

ولعل السببين الذي تم ذكرهما بشكل سريع هم الأساس، هم السبب وراء شخص لا يقرأ، وكليهما تحدثنا عنهما بشكل سريع.

التنشئة الأولية تتمثل في الأسرة، على الأسرة أن تعطي قيمة للكتاب، للقراءة للمكتبات، والأطفال أول شيء يحاولون تقليده في أفعاله هم الآباء، لأن الأطفال لا يقومون بما نقوله لهم بقدر ما يقومون بما يرونا عليه، بما يرونا نفعله. أما التنشئة الثانوية فتتمثل في المؤسسات التعليمية والأقران، وتخص الدولة بشكل خاص، وكليهما مرتبطين، والواحد منهما يكمل الآخر، وإذا فسد أحدهما يفسد معه الآخر أيضًا، فكليهما وجهين لعملة واحدة.

فمن واجب الدولة إذا إنشاء مكتبات عمومية مجانية في كل المدن، في كل أرجاء الوطن، وتقديم أنشطة توعوية، وأن تكون هناك حوافز للقارئ مثل الجوائز، أو نشر عمل له مجانًا، إذا فاز في مسابقة ما، يجب أن تكون المكتبة في كل مكان، يجب إعطاء قيمة للكتاب وللكاتب وللناشر وللقارئ، كلهم معًا يشكلون أسرة أدبية، ومجتمع لا يقرأ لا يمكن أن يرقى، مجتمع آخر أولوياته الكتاب، لا شك أنه في آخر قائمة الدول المتقدمة، والقراءة مسؤوليتنا جميعًا، وكل من لا يقرأ عليه أن يقرأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد