حكت لي صديقتي إنها اضطرت إلى إعادة امتحان مادة الرياضيات الخاص بها في عامها الأخير من المدرسة؛ صدمت من هذا الخبر حيث إن صديقتي هذة كانت تفوقني ذكاءً واجتهادًا أيضًا، فتساءلت إذا كانت تعرف السبب أو إنها مصدومة هي الأخرى، ولكنها أخبرتني إنها عندما ذهبت لترى ورقة امتحانها أدركت أنها ارتكبت خطأ فادحًا، فلقد أبدلت كل إجابة سؤال بالسؤال التالي له، فلقد أجابت سؤال 2 في إجابة 3، وسؤال 3 في 4، وسؤال 4 في مكان إجابة سؤال 5، وهكذا دواليك، ولكنها عندما قارنت إجاباتها وجدتها كلها صحيحة، ولكن الترتيب الخاطئ للإجابات هو من جعل المصحح يعطيها صفرًا في هذا الامتحان، وعندما تقدمت بشكوى لم يسمع لشكواها أحد وأخبرها الكل أنها من أخطأت بملء إجابتها في ورقة الإجابة وعليها أن تتحمل نتيجة أخطائها.

جلست بعد سماع تلك الحكاية بفترة أفكر كثيرًا في ذلك الأمر، أهو حقًا مهم أن تكتب كل إجابة في مكانها الصحيح رغم إجابتها على كل الأسئلة بشكل صحيح؟ وهل المهم أن نتفهم المعلومات نفسها أم نجيب على كل أسئلة الامتحان بشكل صحيح أيا كانت الطريقة؟ هل يُقاس الإنسان بعلمه حقًا أم بورقته البيضاء التي يملؤها بالحبر ليمر من مرحلة دراسية لأخرى؟

تردد على ذهني اليوم حكاية صديق يدرس في مكان ما ليس هنا، مكان ما أكثر تفكرًا وعملًا، حكايته مشابهة قليلًا ولكن الاختلاف أنه لم يجب على الأسئلة أصلًا بطريقة صحيحة، فلقد كان لديه اختلاط في بعض الأمور في تلك المادة العلمية، وبعد رؤيته لدرجاته وإصابته بإحباط شديد بسبب ذلك فوجئ بأستاذه الجامعي يستدعيه ليشرح له ما صعب عليه فهمه من المادة مما أدى لرسوبه في تلك المادة ذلك العام، وبعد مدة من التفهيم والتعليم أخبره أستاذه بأنه اجتاز تلك المادة وأنه منقول بنجاح لسنة تالية بالجامعة؛ ولكن تساؤلات صديقي لم تنته بعد ذلك الخبر الصادم، فصدمه أستاذه أكثر فأكثر بإخباره إنه يرى أنه – صديقي – تفهم تلك المادة ولا يحتاج إلى إعادة الامتحان وإهدار وقته في حل أسئلة أخرى أكثر مما أدى.

حسنًا لا أريد إهدار وقتكم أنا الأخرى في سرد الفرق بين التعليم هنا وهناك وفارق التفكير وما إلى ذلك، لأن إهدار الوقت في تلك النقاشات أصبح مقيتًا ومملًا «وملوش لازمة»، ولكن دعونا نتحدث عن تفكيرنا ذعن هذا الفارق، أو عن دور المسئولين في الوصول إلى هذا المستوى في التفكير وتجريد فكرة التعليم بهذا الشكل المخجل، وما الذي آل بنا إلى ذلك، حسنًا، دعونا نبدأ في التفكير عميقًا في معنى التعليم بصفة عامة في بلادنا وفي معظم أنحاء العالم، التعليم على حد التعريف هو مجموعة من الصفوف التي تدرس في مختلف المواد العلمية والعملية والفنية وأحيانًا الحركية لتنمية مواهب وقدرات الطلاب في عديد من أنشطة حياتهم وتأهيلهم للعمل والتعامل مع الآخرين وخلق أشياء جديدة والمساعدة في تكملة دورة الحياة والنمو، هذا هو التعريف المتعارف عليه بين الناس، فها نحن أمام السؤال، هل هذا ما يفعله التعليم عندنا؟ معظم من سيقرأ ذلك سيجيب طبعا بـ (لا)، ولكن هذة ليست أكبر مشكلة ولكن علينا فعلًا البحث عن تلك الأسباب التي آلت إلى تغير هذا التعريف مع الوقت وتحوله لشيء عكس ذلك تمامًا.

يمكننا فرض أن الروتين اليومي للحياة وللنظام التعليم وعدم التجديد فيه منذ زمن طويل هو ما أدى إلى تلك الروتينية في التعليم وفي طريقة تفكير القائمين على النظام من أصغر فرد إلى أكبر مسئول فيه، ولكن أيضًا لا يجب علينا أن ننكر أن الإهمال في بداية الطريقة التعليمية منذ البداية لها الجزء الأكبر من اللوم حيث بدأ الأمر منذ والدي وجدي، حيث إن الكم الذي يدرسه الأطفال كان له الاهتمام الأكبر من الآباء والأمهات، وكان الاهتمام الأكبر هو أن ينجح الطفل في الانتقال للمرحلة الدراسية الأعلى بدون القلق على كيف انتقل؟ أو ماذا فعل لينتقل؟ وما الذي يشعر به تجاه ما يتعلمه أو بمعنى آخر يحفظه؟، فيلقى الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة إهمالًا وتجاهلًا كبيرًا، مما جعلهم يخضعون لهذا التكرار الأزلي لجذب حب آبائهم وشد انتباههم، ولا أقصد هنا ذوى الاحتياجات المرضية ولكن أعني الأطفال مثلي ومثلك الذين وجدوا صعوبة في فهم الرياضيات في أول الأمر أو كرهوا الجلوس على مقعدهم لقراءة بعض النصوص العربية التافهة التي لا تعني له أي شيء وظلوا يفكرون في كم أن هذا غبي وأن رغبته في اللعب والرقص والغناء تجبره على ترك هذا الهراء والبحث عن شهواته.

وها هنا نُوجد سبب المشكلة، رغبة الأطفال في جذب حب آبائهم وإرضائهم وهو ما يفعله الإنسان الطبيعي، أي منا يمكنه فعل ذلك إذا أحس بأنه مهمل أو بأنه غير ذكي كأقرانه الذين يتقنون الحفظ والنجاح في الامتحانات، ويسهل إخضاع الإنسان في أوائل عمره لذلك الضغط النفسي البسيط نسبيًا ولكنه كبير بالنسبة لطفل صغير، مما يجعله يفعل كما يفعل الآخرون فيحصل الطفل على رضا والديه فيصبح ترسًا آخر من الآلة الكبيرة وتستمر اللعبة، فمن هنا جاء الروتين، فمن ثم أصبح كل ما على المعلم فعله هو حشر تلك المعلومات في رأس الطلاب وتدريبهم على وضعها بطريقة صحيحة تلائم طريقة تفكير واضع الامتحان، مما يضمن له نجاح الطلاب وحصوله على راتبه بإحساس كبير من راحة النفس والاطمئنان على مستقبل الوطن وعلى رسالته السامية، فتسير التروس بشكل صحيح وبذلك يفوز الجميع، ولكن هل يفوز ذلك الطفل؟

وبعد كل ذلك يتحول هذا السيناريو إلى روتين عظيم لا يمكن لأحد الدخول أو تغيير شيء ما فيه، فأصبح إيمان كل من يعمل في هذا المجال -حتى كبار المسئولين به- بورقة الامتحان، هي ما تحكم على أداء الطالب أيا كان ما تعّلمه، فإذا تعلم جيدًا ولكنه ارتبك في حل الامتحان أو أصابه بعض الأنفلونزا أو الزكام فيذهب كل ما أتى به طوال العام هباءً في تلك الهفوة التي غالبًا ما تكون خارجة عن إرادته، فتُذهب روح التعليم من التعليم بذاته ويبقى حد السيف.

تكون أو لا تكون، لطالما عارضت هذا القانون لأني عادةً أرى ما بين ذلك؛ ما بين أن تكون أو لا تكون، أرى ما بين الأبيض والأسود، أرى المجهود والإرهاق والتفكير والتعب، أرى الجهد والبذل والعطاء حتى إذا ما آلت كل تلك الأشياء إلى نتائج ملموسة ولكنني أراها، أترى حين تفشل نظرية عالم من العلماء المرموقين في المجتمع، أينهرونه أو يزيلون عنه لقب عالم؟ كلا بل إنهم يكللوه أكثر وأكثر لأنه أثبت أن تلك النظرية غير صحيحة وعلى الآخرين ألا يتبعوا هذا الطريق مرة أخرى وأنه تعلم من الخطأ وسوف ينجز في المرة القادمة أكثر وأكثر.

وها نحن هنا لا نعطي للقانون روحه، نبدد جهد الطلاب وبذلهم وسعيهم ونقارنه بخطأ صغير لا يحسب، ولأننا – كالعادة – قساة للغاية لا أحد منا يستطيع تخيل نفسه تحت ذلك النوع من الإحباط للطفل الذي اجتهد وحاول ثم ضاعت كل محاولاته هباءً، ونفقد المعنى الأساسي للتعليم وهو تعلم المعلومة ذاتها بأي طريقة ممكنة وبأسهل وأصعب الطرق وتطبيقها وتفهمها وتفكرها، ونصبح آلات مبرجمة لا تفرق بين الأرقام والحروف إلا إذا أخبرها مبرمجها بذلك، لا تفرق بين الروح والجسد، بين الفهم والحفظ، ولكنها آلة تفحص تلك الورقة بجهاز كشف الأخطاء وتحكم على كاتبها بالسجن في تلك المرحلة الدراسية.

دعوني أختم مقالي عن ماهية التعليم بأن أثني على طريقة التعليم من قرون عدة حيث كان التعليم يقتصر على أولاد الملوك والأمراء وما إلى ذلك، ولكن ليس ذلك ما أثني عليه ولكن أثني على طريقة التعليم في ذلك الوقت أيا كان من تلقاه، حيث لم تعتمد طريقة التعليم أثناء الدولة العثمانية وما قبلها على الامتحانات الورقية والأسئلة متعددة الاختيارات، بل اعتمدت على التأكد من فهم «الأمير» لتلك المادة واهتمامهم بنشطاته الجسدية والحسية والفنية، وكل ذلك لأنهم كانوا يعدونه ليكون «أميرا»، فما حاجتهم للامتحانات؟ فلماذا لا نصنع نحن أيضًا بعض «الأمراء»؟ وأخيرًا وليس آخرًا دعونا لا نكف أنظارنا عن أخطاء الآباء والعرف والتقاليد وأخطاء المعلمين وانقيادهم وكل تلك الأمور المساعدة في خلق تلك المشكلة، لأن جزءًا كبيرًا من حل المشكلة هي حل كل تلك الأعراض المساعدة لها، دعونا نتمنى اليوم تعليمًا أفضل لكل أولئك الشغوفين للتعلم بدون آلام وضغوط، ودعونا نشجع كل مجهود بذل لتغيير واقعنا الأليم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد