أسرف البعض في المقارنة بين انقلاب مصر، وبين انقلاب تركيا الذى تبعه بثلاث سنوات كاملة؛ فقد اتهم بعض معارضي الانقلاب القيادة المصرية المنتخبة بعدم الحنكة بالمقارنة بنظيرتها التركية، وذهب آخرون إلى أن الشعب التركي البطل، ليس كنظيره المصري، وبعيدًا عن هذه المقارنة، أو تلك فهناك جوانب أخرى، لا يجب إغفالها في هذه المحاولة الفاشلة.

ولكن قبل ذكرها يجب العودة بذهن القارئ إلى الثورة التونسية، و«محمد بوعزيزي»؛ فقد انطلقت شرارة الثورة التونسية أواخر عام 2010، حتى يناير (كانون الثاني) 2011، وتصاعدت المظاهرات؛ حتى هرب «بن علي» ـ وقتها ـ إلى الإمارات، وكان وقت انتهاء الحكومة المصرية من انتخابات 2010 الشهيرة، وتمكن رجال الحزب الوطني بقيادة «أحمد عز» من إغلاق كل المنابر التي قد تعترض على توريث «جمال مبارك»، حتى أصبح الأخير في نظر كثير من المراقبين أمرًا واقعًا، إلا أن هروب بن على وقتها غير الموازين، حتى اعتبرت الثورة التونسية وقتها شرارة لاندلاع باقي ثورات الربيع العربي.

أحدثت الثورة التونسية أو «ثورة الياسمين»، كما يسميها البعض، أحدثت صدمة لدى العقل الجمعي للشعب المصري، وعرف الشعب المصري أن الحلم لم يكن مستحيلًا، وكان الشباب ـ وقتها ـ هم الأكثر حماسة، وأصحاب الخطوة الأولى، إلا أنه قد حدث انفجار ضخم يوم 28 يناير، شارك فيه الشعب المصري باختلاف طوائفه، وأعماره، وحتى مستوياته الفكرية والمادية، وكان للانفجار مقدمات متمثلة في الفقر المتزايد، وانعدام الأمل، وتوغل الشرطة، واستفحال الفساد بشكل مبالغ فيه، وانعدام أية فرصة للديمقراطية، وكما أن من عانى من هذه المشكلات هم الشعب المصري في مجموعه، كان الانفجار هو من الشعب المصري في مجموعه.

وكان أبرز مكاسب الثورة المصرية، انهيار حاجز الخوف لدى المصريين وقتها، إلا أنه بعد انقلاب الثالث من يوليو (تموز) عمد النظام في مصر إلى بناء حاجز خوف جديد لدى المصريين، واستغل في ذلك أقصى درجات العنف الممكنة، فكانت مذبحة رابعة والنهضة، وقد صنفت كأكبر مذبحة في يوم واحد في التاريخ الحديث، وعلى هذا فقد اعتمد النظام في مصر على إسكات جميع الأصوات المعارضة، وإخماد أية جذوة يمكن أن تشتعل منها الثورة مجددًا ، واعتمد في ذلك على الدبابة والسلاح بشكل أساسي ، وتمسك الإخوان المسلمون كقادة للشارع بالسلمية المطلقة، حتى بدا أمام البعض أن الثورة المصرية وصلت لطريق مسدود.

ثم جاء الانقلاب في تركيا بعدما أكمل شقيقه في مصر عامه الثالث، وكان يمكن أن يذهب بكل أحلام الديمقراطية، وما حققه الأتراك في سنوات، إلا أن عدم استسلام الشعب التركي في المقام الأول، ونزوله بعد محادثة «سكايب» الشهيرة، قد غيرت مجرى الأحداث.

وجاء موقف الحكومة المصرية الرافض حتى لإبداء التعاطف السياسي، كما فعل من خطط للانقلاب أنفسهم، ولكن الأمر اختلف مع الحكومة المصرية، فلم تخش من سيطرة «أردوغان» الكاملة على مفاصل الدولة في تركيا، ولم تخش حتى من نجاح المشروع الإسلامي، بقدر ما تخشى من تكرار التجربة في مصر، فقد يخاف قائد الانقلاب في مصر وأذرعه الأمنية من إسقاط حاجز الخوف الذي بنوه على مدار ثلاث سنوات، فكما كانت تونس ملهمة للمصريين عام 2011، فقد تكون تركيا 2016، لهذا فإن الحكومة المصرية لا تناصب أردوغان وحكومته العداء، إنما تناصب العداء إرادة الشعب التركي الذي استطاع بيده العارية أن يقف أمام الدبابة، بل يهزمها، ولما مثله من حلم بالحرية يستيقظ مرة أخرى في صدور المصريين، ويبقى السؤال الذي يشغل الانقلاب في مصر: هل يمكن للشعب المصري أن يحقق ما فعله الأتراك؟ وهل تأتى الأيام القادمة بما لا يتمناه الانقلاب في مصر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد