كنت فقط أتخيل كيف كان سيكون عليه واقع مصر الحالي لو لم تكن هناك جماعة وحركة سياسية ومجتمعية من قبيل الإخوان المسلمين؟

لندع كل ما يروج في الإعلام، ولندع كل تلك الحملات التشويهية والتعريض ضد خطاب وفِكَر الحركة، ولندع حتى تلك التهجمات التي لا تنتهي ضد أعضائها وقياداتها … ، ولنفكر بقليل من الهدوء ورجاحة العقل، وبقليل من المنطق، وفكروا معي أيضا في تلك الأشياء التي كانت لتكون لو لم يكن هناك جماعة الإخوان المسلمين، وكيف سيكون واقع مصر؟

أنا هنا أولا سأتحدث من منطلق كوني إنسانا، وكمواطن عادي، لست مصريا، غير متحزب وغير منتم لأي تيار سياسي مهما كان نوعه، ليس لي علاقة ـ لا من قريب أو من بعيد ـ بالحركة ولا بغيرها، بل ليست لي علاقة تنظيمية مباشرة ـ لا من قريب أو من بعيد ـ بأي تيار أو حركة للإسلام السياسي، ولا غيرها من الحركات الأخرى مهما كان نوعها أو توجهها، وكما كنا سنكتب كلمة حق في وجه هذه الحركة، فسنقوم بنفس الأمر مع حركة أخرى لو تطلب الأمر ذلك.

فمقاربتي هذه نابعة من ملاحظاتي كمتتبع لا غير، فلست هنا بصدد الدفاع عن الحركة؛ لأنها أقدر على الدفاع عن نفسها، ولا بصدد الحكم عليها أو على انجازاتها؛ لأن التاريخ والحاضر كفيل بذلك، لكن واجبنا أيضا يحتم علينا قول كلمة حق وإنصاف لمن يستحق ذلك.

لكن تصوروا معي جماعة تملك حزبا سياسيا قانونيا، ترشحت لانتخابات ديمقراطية لأول مرة في تاريخ البلاد، شأنها في ذلك شأن أي فصيل سياسي قانوني آخر، فازت بأغلبية مقاعد البرلمان، ومن بعده فاز عضو منها برئاسة الجمهورية بشكل نزيه وعادل، وبإرادة شعبية حرة وتلقائية …، تتحمل مسئولية قيادة البلاد بعد ذلك، في مرحلة استثنائية وحساسة للغاية، وفي وضع اقتصادي واجتماعي على حافة الانهيار، وكارثي على كافة الأصعدة، بعد سنة من حكمها، والتي كانت أزهى سنة ديمقراطية في تاريخ مصر كله، حتى أصبح المواطن البسيط نفسه لا يصدق أن رئيس البلد من الممكن أن يتعرض للانتقاد والتجريح والسخرية والمساءلة من أي أحد دون أن يتعرض له أحد.

بعد ذلك ما الذي حدث؟ تم حبك سيناريو “الغضب الشعبي”، عبر التأجيج الإعلامي المسعور ضد الرئيس، وضد إنجازاته (رغم أنها، وللأمانة، كمتتبع خارجي أجزم بأنها، كانت ستغير وجه مصر كله، وفي وقت قصير، لو قدر لها النجاح والاستمرارية). تم الإعداد لصناعة رأي عام جديد قادر على تقبل الانقلاب الآتي لا محالة، حيث كان ذلك في انتظار الوقت المناسب فقط، أخرج العسكر بعض مواليه من المعارضين لحكم الدكتور مرسي إلى الساحات للتظاهر والمطالبة بتدخل الجيش، لينتهي المشهد الختامي للسيناريو بذلك التدخل تنفيذا لنداء الشعب وبتفويض منه، ويتم عزل الرئيس المنتخب، ومن ثم اعتقاله، وفوق ذلك محاكمته أيضا.

الأمور لم تقف عند هذا الحد فقط، فقد حكم الجنرال البلد بقبضة من حديد، سلط أجهزته الأمنية والعسكرية على المواطنين، كانت البداية مع المعتصمين والمتظاهرين الداعين بشكل سلمي إلى عودة الشرعية الديمقراطية، تم إرسال جحافل من رجال الشرطة والجيش مدججين بالأسلحة وبالدبابات والطائرات والجرافات وآخر ما جادت به الصناعة العسكرية في القتل والقمع في العالم، وببرودة دم تنم عن وحشية وبربرية قل لها نظير، تم قتل وحرق آلاف الأشخاص الأبرياء من كل الفئات بمن فيهم من الأطفال والنساء، في مشهد لا يمكن نسيانه ولا تصوره على الإطلاق، وفي مجزرة جماعية لم يعرف التاريخ الحديث مثيلا لها ضد متظاهرين سلميين.

وحتى من حالفه الحظ ونجا من المجازر في الساحات، فأجهزة الأمن والمخابرات تكفلت بتصفيته في بيته، وأمام أبنائه، ومن كان حظه أحسن فقد تم اعتقاله والزج به في سجون آخر ما يمكن أن تصلح له هو العيش الآدمي، حيث كل ألوان التعذيب والموت البطيء والمعاملة الوحشية والقاسية التي لا يستطيع الإنسان العادي تحملها، والتي لم يسلم منها حتى الأطفال والنساء، وكأننا بالضبط في مشهد من مشاهد القرون الوسطى.

كل هذا تم باسم الشرعية الديمقراطية، والشرعية الثورية، الأكثر من هذا، موقف العالم ـ باستثناء البعض منه فقط ـ وهو موقف مخز، وعار على الإنسانية؛ فقد فضل الصمت، وفقط، مما يجعل من سكوته مشاركة في الجريمة أيضا، ثم وصلت الوقاحة والدناءة بالبعض إلى التصفيق والابتهاج بعمليات القتل والتصفية الجماعية ضد أناس شهد العالم كله أنهم كانوا أبرياء وسلميين، وكانوا هم الطرف المظلوم، وكانوا يطالبون بحقهم وحق بلدهم بشكل سلمي مثلهم مثل أي تيار تعرض للظلم في العالم.

هنا نطرح تساؤلنا العريض: لو أن في مصر، أو في أي بلد آخر في العالم فصيلا سياسيا مثل حركة الإخوان المسلمين تعرض لكل هذه الأشياء المذكورة، وربما أكثرها، هل كان في الحقيقة سيحافظ على سلميته كما حافظ عليها الإخوان الآن؟ وهل كان سيصبر ويضبط نفسه كما ضبطتها الحركة وقياداتها التي حرصت دوما على ذلك، رغم ما ذاقته وما تزال من أقسى أشكال التعذيب و ألوانه.

أكاد أجزم أنه لن يستطيع ذلك، بل أكاد أقول: لو أن “غاندي” أو “مانديلا” عايشوا وتعرضوا لمثل هذه الأشياء في الوقت الحالي، وكانت لهم من القوة والأعضاء مثل الذي عند الإخوان، لغيروا رأيهم ربما في نهجهم السلمي الذي عرف عنهم وجعل منهم رموزا في التاريخ الإنساني بسببه، وأكاد أجزم أنه لو كان تيار أو فصيل آخر تعرض لذلك، وفي نفس الظروف، لوجدتم الوضع في مصر الآن مثل ليبيا أو سوريا أو ربما أسوأ حتما.

لقد كان أبسط سيناريو يمكن أن يتخذه الإخوان المسلمين هو الدفاع عن أنفسهم على أقل تقدير، والدفاع عن المستضعفين من الأطفال والنساء والشيوخ من الذين لم يسلموا من عمليات التقتيل والتنكيل، وكان الدخول في مواجهة وتصادم مع أجهزة الأمن والجيش أدنى رد فعل وحق إنساني لأي طرف في نفس الوضع يمكن أن يتخذه، وكسلوك طبيعي وبديهي لا يحتاج إلى ذريعة أو تبرير، وليس فيه أي لبس.

لكن الذي حصل إلى الآن هو العكس تماما، ولحسن الحظ خابت ظنون كل من عول على ذلك السيناريو، لكن لو لم تكن جماعة الإخوان حركة وطنية بكل ما تحمل الكلمة من معنى حقيقي وراق، ولو لم تكن  الأحرص على البلد من أي فصيل داخلي آخر؟ كيف سيكون الأمر، الأمور حتما ستكون مختلفة على ما هي عليه، ولكانت كإجراء بديهي منها أن تعطي الضوء الأخضر لأعضائها والمتعاطفين معها بالدفاع عن أنفسهم، وتسمح لهم بكف الاضطهاد والعدوانية وعمليات التصفية المنهجية التي تلاحقهم من أجهزة الأمن والجيش، أو حتى كحل كان يمكن أن يعفيها من أي مسئولية مباشرة عن ذلك، أن تعلن حل الحركة داخليا، ومن له بعد ذلك ثأر لدى الجيش والشرطة وأجهزة الأمن فليأخذه بيده … وتصوروا معي كيف سيكون البلد بعد ذلك.

وتصوروا معي لو أخذنا رقما بسيطا جدا، لو أن عشرة آلاف شخص من الثلاثة عشر مليون الذين صوتوا لمرسي قرروا حمل السلاح للثأر لذويهم من القتلى أولا، أو للدفاع عن أنفسهم  ضد عمليات القتل، وعمليات القمع، والتعذيب في السجون، ومخافر الشرطة، والجيش أيضا،  أو حتى استرداد حق الشرعية بالقوة، كما أخذ بها وفق ما هو متعارف عليه.

من كل هذا المؤكد أن سيناريو الحرب الأهلية هو الوصفة الجاهزة، والبلد كان سيكون مسرحا لعمليات واسعة من الاغتيالات والتفجيرات والاختطافات والسلب والنهب والمواجهات المسلحة التي لن تستطيع لا أجهزة الشرطة ولا الجيش ولا المساعدة الخارجية إيقافها مهما كانت لها من قوة؛ ببساطة لأنها كانت ستواجه هي الاخرى جيشا من المظلومين والمضطهدين والناقمين بشدة على الوضع وعلى الظلم الذي يلاحقهم ويلاحق غيرهم.

كان يمكن لحركة الإخوان المسلمين أن تفكر بمنطق أناني وفي مصلحتها الشخصية، رغم أنها تدافع عن حقها الذي سرق منها ظلما وتعسفا وعدوانا، مثلها مثل أي شخص أو أي طرف آخر في العالم أو حتى في التاريخ، وذلك كأدنى رد فعل منطقي مكفول للجميع.

لكن أن تتعرض لكل أشكال وأنواع التقتيل الجماعي والفردي والاعتقال التعسفي والتعذيب  والابتزاز والتشهير والحظر التام من أي نشاط أو حتى التعبير عن الرأي المتعاطف مع الجماعة، وكل ما يخطر على البال من وسائل القمع الوحشية والبربرية التي تتنافى مع كل القيم الإنسانية، وما لا يخطر عليه، وفيما يشكل عودة لأبشع صور التنكيل والتعذيب الجسدي والنفسي الفردي والجماعي التي عرفها التاريخ البشري.

كل هذا وأكثر، والجماعة فضلت الصبر والسلم على المواجهة والنزوع نحو العنف، وفضلت تجرع السم والتضحية بنفسها وأعضائها على التضحية بمصير البلد، فبربكم ماذا تريدون أكثر من ذلك؟ كيف يمكن لأي أحد أن يعبر عن وطنيته وحرصه الشديد على البلد ومصلحته أكثر من ذلك، أعتقد أنه لا يوجد، ولم يوجد تيار أو طرف في التاريخ ربما، وبنفس قوة وتنظيم الإخوان، ونفس الظروف الداخلية والخارجية يمكن أن يصبر على مثل هذا كله، فالمقاومة على أقل تقدير كانت لتقع.

الجميع يعرف أن الحركة ليست ضعيفة، ولها من الإمكانات ما يجعلها تتحدى الأجهزة الأمنية والعسكرية ومقارعتها مقارعة الأنداد، ولتكن ساحة المعركة هي الحكم بعد ذلك، وكانت قوى خارجية تنتظر هذا السيناريو على أحر من الجمر؛ لإيصال الوضع في مصر لما هو عليه في سوريا وليبيا.

ورغم أنه كان على الأقل سيفرض على الأجهزة الأمنية الفاسدة في الجيش والمخابرات خاصة صيغة أخرى غير الصيغة التي هي الآن، وستمكن الجماعة من وضع يرد لها الاعتبار ويرغم الجيش على مراجعة أوراقه، لكن مع ذلك لم تجنح للعنف، وفضلت طريق السلم والصبر على كل ما لحق بها، ولأن لها من الوطنية والمسئولية التي تمنعها من أن تصل بالبلد إلى شفير الحرب الأهلية رغم عدم حرص المؤسسة  العسكرية فيما يبدو.

فلو لم تكن حركة الإخوان جماعة وطنية بما تحمله الوطنية من معنى أصيل، لما حرصت على البلد أكثر من حرصها على السلطة التي من حقها وانتزعت منها ظلما، وهو على عكس كل ادعاءات خصومها وأعدائها: إذ لو كانت فعلا حريصة عليها، لكانت قاومت بكل ما أوتيت من قوة للحفاظ عليها، بعدما وصلت إليها بشكل عادل ونزيه وبإرادة شعبية.

وكلمة حق أخرى يجب أن نقولها أيضا: المؤسسة العسكرية في مصر ليست أكثر وطنية من حركة الإخوان المسلمين، بل إنه بالنظر إلى دورها وسلوك قياداتها الحالية، فإنه يمكن أن نقول بأنها ليست مؤسسة يبدو عليها أنها حريصة على  وطنها على الإطلاق.

فالمؤسسة العسكرية في مصر حاليا، حريصة على مصالحها الاقتصادية والإبقاء على نفوذها السياسي في دواليب الدولة، وحريصة على مصالح جنرالاتها الشخصية أكثر من حرصها على مصلحة المواطن ومشاكله اليومية، بل إن جشع الجنرالات والضباط الكبار جعلهم في سعي نحو مراكمة الثروة والأموال، وتسخير الجيش لمهام بعيدة عن دوره الأساسي في حماية البلد من الأخطار الخارجية، ما يجعل منهم ـ واقعيا ـ أكبر أعداء البلد نفسه، لأنني  أعتقد أنه لا يوجد أي جيش في أي بلد في العالم يتفرغ وينشغل لاستثماراته في مصانع المعكرونة والمعلبات والعقارات … وغيرها، بينما الطائرات الأجنبية تصول وتجول في سمائه دون حسيب أو رقيب، وبينما القوى الخارجية تتفاوض فيما بينها حول الطريقة التي سيتم التعامل معها مع أخطار الحركات المتمردة في منطقة سيناء، ونظامه العسكري آخر من يستشار ويقرر في ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد