حاتم محمود خضر
حاتم محمود خضر

رغم مرور ما يقرب من عامين على محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في يوليو (تموز) 2016، فإن البلاد ما تزال تعاني من تبعاتها على كل المستويات، وخاصة على الصعيد السياسي، إذ لم يهدأ المتربصون بتركيا سواء في الداخل أو الخارج، بل يحاولون من وقت لآخر زعزعة الاستقرار، وتأجيج الصراعات، مستغلين الظروف التي تمر بها دول الجوار، وخاصة سوريا.

لم يكن يتوقع كثير من الناس أن ظهور أردوغان على إحدى الفضائيات من خلال برنامج للسوشيال ميديا، والذي دعا أبناء شعبه للنزول إلى الشوارع والميادين والمطارات رفضًا للانقلاب العسكري، سينجح في هزيمة الانقلابين وإعادة السيطرة على الأمور مرة أخرى.

لكن الواضح من هذا الحدث المؤلم أن أردوغان كان يراهن على ذكاء المواطن التركي الذي عانى من تبعات الانقلابات العسكرية، التي عصفت وكبلت البلاد منذ أول انقلاب في عام 1960 وحتى 2001.

كان أردوغان على يقين كامل من أن المواطن سيتصدى للانقلاب بكل قوة؛ نظرًا إلى ما شهدته البلاد من إنجازات حقيقية شعر بها المواطن، لدرجة أن العلماني قبل الإسلامي نزل إلى الشارع بصدر عار وعزيمة قوية، وقاوم الانقلابين ووقف أمام الدبابات والآليات العسكرية لا يهاب الموت: إنها ثقة السياسي بنفسه وبشعبه الذي لم يبخل عليه ولم يقصر في خدمته، بل أعلن «أردوغان» مرارًا وتكرارًا أنه «خادم للشعب»، وهذا ما جعل خصومه قبل أنصاره متمسكون به وببرنامج حزبه.

أردوغان يعرف الظرف المناسب والمتاح الذي يعلن فيه عن خطوة فارقة في حياة الدولة، والتي من شأنها أن تنقلها إلى مراحل أكثر ازدهارًا وتنمية.

العام الماضي، رغم كل التحذيرات والتهديدات من الخصوم في الداخل والخارج -خصوصًا ألمانيا والنمسا وفرنسا وغيرها- أجري استفتاء على تغيير النظام التركي من برلماني إلى رئاسي، صحيح كان الفرق ضئيلًا لصالح النظام الرئاسي، لكن تلك هي الديمقراطية التي لا بد أن يحترمها أي شعب يؤمن بها ويجلها. في نهاية المطاف كان الرهان لصالح أردوغان وحزبه، رغم كل الفزاعات والادعاءات التي قيلت إن أردوغان يسعى لكي يكون ديكتاتورًا وبيده كل السلطات.

لكن الشعب التركي لم يلتفت إلى تلك الفزاعات أو المهاترات، فما يهمه في المقام الأول هو الأرقام والإنجازات التي يفضل برنامج حزب عن الآخر، خصوصًا أن حزب أردوغان حزب العدالة والتنمية يعد حزبًا إسلاميًّا مع وجود كثير من الأحزاب التركية العلمانية والليبرالية التي معظمها يحارب توجهات هذا الحزب.

لم يكن متوقعًا لدى كثير من الخبراء السياسيين، ولا الشعب التركي، أن يعلن الرئيس رجب طيب أردوغان منذ أيام عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في شهر يونيو (حزيران) القادم، بدلًا من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام القادم.

لم يكن لأردوغان أن يعلن عن تلك الخطوة إلا من خلال الإنجازات التي تحققت في تركيا على مدى عدة سنوات التي قاد خلالها البلاد، سواء كرئيس وزراء أو رئيس دولة، إذ وصل دخل الفرد التركي إلى حوالي 11 ألف دولار بدلًا من 3500، وتحتل تركيا مراكز متقدمة بين الدول الصناعية العشرين، وحوالي 70% من الأسلحة في تركيا محلية الصنع.

الإعلان المباغت بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية أحدث إرباكًا للمعارضة والخصوم، الذين لم يملوا من الحديث عن خسارة أردوعان وحزبه في الانتخابات أو عدم الحصول على أغلبية، إذ يفاجئهم – هو وحزبه– بفوز كاسح وكاسر لعظامهم.

تتساءل المعارضة الآن لماذا هذه الخطوة في هذا التوقيت؟ بيد أن الإجابة واضحة لهم جدًّا، فالرئيس الذكي هو الذي يتحين الفرصة المناسبة لاتخاذ قرارات مصيرية.

النظام البرلماني كما له مميزات له عيوب أيضًا، منها أنه يأخذ وقتًا طويلًا من أجل مناقشة قرارات والحصول على موافقة أغلبية، ومن ثم تنفذها الحكومة، أما النظام الرئاسي فهو ناجز وسريع، كما هو الحال في الولايات المتحدة مثلًا وفي دول أخرى، فبمجرد أن يقرر الرئيس وفقًا للدستور الذي حدد صلاحياته، تنفذ الحكومة هذا القرار دون الرجوع إلى البرلمان أو أخذ موافقته، وذلك في حدود الدستور والقانون، ولأن تركيا تتجه نحو مرحلة حاسمة تتطلب خططًا مستقبلية، فلم يعد النظام البرلماني مناسبًا لتلك الفترة.

من ضمن الإنجازات التي تمت أيضًا خلال فترة حكم أردوغان، هي صناعة أول دبابة مصفحة للمرة الأولى وأول طائرة بدون طيار، بناء عشرات الجامعات ومئات المدارس والمستشفيات وقاعات الدراسة، زادت الرواتب في تركيا بنسبة 300%، وانخفضت نسبة البطالة إلى أدني مستوى تقريبا 2%، ارتفعت الصادرات حتى بلغت أكثر من 150 مليار دولار، ارتفع الاحتياطي الأجنبي إلى 110 مليارات دولار، بينما كانت حوالى 27.5 مليار قبل 15 سنة، وحققت تركيا نموًّا يقدر بـ 5%، وهو ثالث أكبر نمو في العالم في عام 2017، ويعادل أكثر من ضعف نمو البلدان الأوروبية.

فضلًا عن ذلك، كان لأردوغان –بدعم من حزبه– إسهامات على المستوى الديني والإنساني لا تقل أهمية عن الإنجازات الاقتصادية، إذ أعاد تدريس القرآن والحديث النبوي في المدارس الحكومية، وأعلن دعمه للقضية الفلسطينية بكل صراحة وإخلاص، ورفض رفضًا قاطعًا نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إسرائيل إلى القدس؛ لأن القدس عربية وإسلامية ولا يمكن تهويدها، وأعاد الثقافة الإسلامية وتراثها في البلاد بشكل توافقي لا عن تعسف، أعلن دعمه لمسلمي بورما، حرص على وجود تقارب بين الدول العربية والإسلامية، وغيرها.

سيكون الرابع والعشرون من يونيو القادم يومًا حاسمًا في تاريخ تركيا، التي تسعى إلى تحقيق مزيد من الإنجازات والتقدم على كافة المستويات، بشكل يناسب المرحلة القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك