فتنة هذا الزمان

لعلك سألت نفسك يومًا لم يترك الله كل هذا الشر على الأرض؟! أليس الله بقادر على حماية روح الأبرياء؟ بلى هو القادر، لكن هل هذا السؤال منطقي؟، هل نحن من نختبر الله أم الله من يختبرنا؟، هل معركة الخير والشر معركتنا نحن البشر؟، هل يجب عليه أن يخوض هذه المعركة من أجلنا؟ تعال معي يا صديق نبحر معًا ونخوض هذا البحر من الأفكار الذي لا تفتأ أمواجه تصفعنا صفعة تلو الأخرى.

في البداية كان الله ثم خٌلق كل شيء بعد؛ الملائكة، الجِن ومنهم (إبليس) ثم الإنسان، هل سمعت هذا الكلام من قبل، اصبر، فقد تجد صيدًا يسرك في النهاية، كان إبليس عابدًا لله مطيعًا حتى قيل إنه لقب بطاووس الملائكة، فالملائكة وإبليس عابدون، لكن مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ، جزء من إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، هل كان مكنونهم الداخلي هو عبادتهم الظاهرة؟ إذن لا بد من اختبار، فتنة تميز الخبيث من الطيب، من يثبت أمام الأمر ومن يعصِ الله، وصدق الله فيما علم.

ومع أول فتنة أصبح إبليس أول عاصٍ له، احذر فقد تكونَ محبًا وتقول كلام المحبين، لكن وحدها المواقف وما تكره منها هي ما تميزك من بين المحبين أو تجعلك في صف الأعداء، لقد كان هذا جزء من «أعلم ما لا تعلمون».

لقد كان خلق آدم بمثابة فتنة لإبليس وللملائكة أنفسهم، نعم ألم تقل الملائكة: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ»، هي بطريقة ما (نحن خير منه)، لكن أمام «إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» كانت «سُبْحَانَكَ».

بل إن آدم كان فتنة لنفسه، نعم هوى آدم هو أشد أعدائه، خرج آدم من هذا المشهد بعدوٍ مبين هو إبليس، ومؤيدين وهم الملائكة، وعدو داخلي هو الهوى، قد تسأل أين العدل في عدوين وصديق، هنا تتجلى «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ»، الذي سيكون من ضمنه «فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ» مؤيد داخلي، نعم إنها العدالة الإلهية، إلى هنا قد لا تجد اختلافًا تفسيريًا آخر للشر والخير الأبدييين، لكن مهلًا.

اقرأ: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)»، لم تتوقف الفتن قط في مهد الدعوة وهي عود أخضر، يحدث تغيير للقبلة، والسبب الإلهي كان: «إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌٌ رَّحِيمٌ»، ثم فترة وكانت الإسراء و المعراج، ثم الاختبار مستمر.

إن لكل عصر فتنته الخاصة به، الأعمال الإرهابية فتنة لفاعليها، وهي أيضًا تمثل فتنة كبيرة للمسلمين وقد تكون أشد وطأة عليهم من حزن المسيحي على فقدان ذويه، إن هذا الإرهاب الغاشم حين يُقتل مسيحي أو مسلم يضع مسلمًا آخر في حيرة فكرية عظيمة، فهناك حالة من السخط الفكري من مسلمين على كل ما هو إسلامي، إنكار لكل شيء إلى حد يصل ببعضهم إلى الردة تصريحًا أو تعريضًا، فالضربة حقًا موجهه لأحدهم في جسده والثاني في عقيدته.

يا صديق، يجب أن نقر مبادئ هي بالأساس بديهية

أولًا: أن كل قتل أو ترويع لمدني أو حتى جندي غير محارب في بلد مسلم أو غير مسلم هو إرهاب غاشم.

ثانيًا: إن الإرهاب لا يفرق بين مسلم ومسيحي فهو يقتل الاثنين، لكن يختلف المقتول باختلاف البلد وسكانه وقد يصيب من سكانه طوائف عدة.

ثالثًا: لا يحق لمسلم أن يؤيد قتل بريء ولو بشق كلمة.

رابعًا: سوف تستمر عملية الانتخاب الطبيعي هذه على مر العصور ولن تتوقف، لماذا؟ لأنها الكير التي تطرد الخبث، والسيول التي تحمل الزبد حتى يمكث ما ينفع الناس، قد تكون الفتنة تغيير قِبلة أو هزيمة مزلزلة في حرب أو وباء متفش، أو حاكم ظالم أو كل ما سبق، وسوف تستمر إلى أن تهدم الكعبة ويرفع القرآن لأنه ليس هناك من يعبد الله.

رحم الله كل شهداءنا، ولتذهب روح الأبرياء إلى الله يقتص لهم في يوم يقاد فيه للشاة الجلحاء –أي التي بدون قرون- من الشاة القرناء.

أخيرًا، المشاهد السابقة من قصة خلق آدم وتنصيبه خليفة لله، تقتضي بأن يُطبق آدم عدالة الله في أرضه، أي أن يجاهد لرفع الظلم عن المظلوم والقصاص له، وألا يظلم نفسه ويتبع هواه.

إنها حربك أنت وتلك حياتك التي خلقت من أجلها، هنا تكون تتمة القصة «َنبِئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)»

نعم إنها نهاية مفتوحة، لأن النهاية السعيدة أو التعيسة من اختيارك أنت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد