ليست مجرد قطعة جلد

«يعتقد البعض أن كرة القدم مسألة حياة أو موت، للأسف هذا يجعلني حزينًا، فهي أكثر من هذا بكثير». *بيل شانكلي، لاعب ليفربول

إذا كنت من مرددي عبارات مثل (قطعة جلد مدورة تتحكم في اثنين وعشرين رجلًا) مستعجبًا مستنكرًا فيجب أن تعلم أنك لا ولن تحب كرة القدم، لذلك كل شيء عنها لا تعرف أهميته ولن تقنعك أي آراء .

العامل الوحيد الذي يحدد أهمية كل شيء بالنسبة للبشر هو الحب أو السعادة.

 فمثلا كيف لك أن تناقش من يجهل حب الكتب والشعر والروايات عن القراءة ومدى أهميتها بل ومتعتها للقراء.

يستوقفني كثيرًا بعض رجال الدين أو بعض العوام أحيانًا وكيفية تعاملهم مع أصحاب الديانات الأخرى، فكيف لك أن تقنع مسلمًا بأن كل ما يؤمن به هو محض هراء لا أساس له من الصحة، بل وتتلو عليه آيات من الإنجيل مثلا كي تثبت صحة الدين المسيحي أو العكس عندما يقنع مسلمًا غيره بزيف كتبه الدينية وصحة دينه.

تجلس بجوار زوجتك متململًا ساخرًا ربما غاضبًا أحيانًا، فقط لأنها تتابع شيئًا ما لا يعجبك أو لا تراه مفيدًا، ببساطة أنت لا يثيرك هذا الشيء فقط أنت لا تحبه لا يهمك أمره وهي ترى عكس ذلك، هي ربما تقفز فرِحَةٌ عندما ينتصر البطل في مسلسل ما لا يعني لك شيئًا، بل وتريد أن تشارك رفيقاتها فرحتهن بذلك.

أعلم أنك تنظر إليها آلان بسخرية، وأنا ربما أفعل مثلك، لكن هل حاولت أن تشرح لها أن كل ما يحدث في تلك الشاشة ما هو إلا مجرد خيالات لشخص لا نعرفه ولا يعرفنا وأن كل هذا لا يمت للواقع بصلة، بل أن هؤلاء الأبطال ما هم إلا آلات تنتهي بنهاية الفيلم أو المسلسل، وأنها لن تسفيد شيئًا من كل هذا، أجزم أنك حاولت ذلك، ولكن ربما كان الرد صاعقًا لك، أتخيل أنها قالت لك ساخرةً أيضا ماذا أعطاك ميسي أو رونالدو؟ ولماذا تصرخ مع كل كرة ترتطم بالعارضة وتهلل مع كل كرة تحتضن الشباك؟ وهنا يبدأ جدال لا أعرف نهايته بالتحديد.

أتخيل لو أن الأطباء لهم جماهير وإعلام وكاميرات تراقب عملياتهم مباشرة وبطولات تنظم بين الدول كؤوس، يرفعها صاحب أنجح وأصعب عملية وهتافات للفائز وتهليل عند استئصال الطبيب بمشرطه ورمًا مثلا في أحد أجزاء الجسم الدقيقة، تخيلت ذلك بالطبع لأنني طبيب وأصدقائي معظمهم في نفس المجال.
ولكني أردت أن أكرر المشهد ذاته على المهندس والجندي والسائق والمدرس وغيرهم.

بالطبع أنا هنا كنت ألعب دور المنتقد للاعبي كرة القدم وللفنانين وغيرهم من أصحاب الصيت الذي لا يوازي أهمية أعمالهم، أو هم من يجعلونه قليل الفائدة.

لكن لنعد لكرة القدم وأنا كمحب لها ومتعصب في الكثير من الأوقات أرى بأنها تقف بين رأيين ما بين أنها لهو لا طائل منه وبين أنها أمر مهم جدًا يعود بالخير على ممارسيه ومحبيه، بل ويعتبرها البعض أمر وطني.

هل تستحق كرة القدم كل هذا الاهتمام؟ هل تستحق الفرح والحزن والجنون؟ كرة القدم اللتي ربما حلم بها الكثيرون، الأطفال والكبار ربما لأنها أسهل شيء ممتع يمكنك الحلم به وممارسته فأنت فقط تحتاج إلى كرة وأي مكان واسع وأصدقاء. 

لا يمكنني الجزم برأي واحد

كرة القدم بالفعل تعطينا الكثير، نحن كمحبين لها ولا يمكنك أن تلمس أهميتها ما دمت لا تحبها أعني أنه ربما يتغير مزاج بيت كامل بل ربما بلد كامل بسبب فوز أو هزيمة.
لم أر شيئًا استطاع أن يجمع البشر باختلافهم مثلما فعلت كرة القدم. يبالغ البعض في تعصبهم ولكن لا أستطيع أن أمنع عنهم شعورهم.

كما أن لها عائد مادي كبير للبلاد وهي أيضًا مصدر رزق للكثيرين. لكن هل يشعرك تشجيع فريقك أو المنتخب بالانتماء والعكس بالخيانة؟

يختلف الجميع فهناك من يعتبر المنتخب هو الممثل الرسمي لبلده بحكم أن كرة القدم استطاعت أن تحتل جزءًا كبيرًا من اقتصاد العالم، فهناك دول مثل البرازيل مثلا تعتبرها جزءًا أساسيًا من دخلها القومي وبناء على ذلك يتوقف العمل في أغلب الأحيان عندما يلعب المنتخب، البعض يتهم الكرة بتعطيل الحال والبعض يعطيها الحق في ذلك، أيهم أحق لا أعرف لكن كل ما أعرفه أن شيئًا واحدًا هو الذي يحدد ذلك وهو الحب، الحب الذي يجمعنا مهما كانت الظروف المحيطة يجمعنا بكل أطيافنا نحن محبي كرة القدم لا أكثر.

فأنت لست الخائن ولا الوطني أنت فقط كاره أو محب.

لكن ومع كل ذلك أريد أن أوضح أن بلداننا العربية ومِصر دائمًا ما تصر على إفساد فسحتنا فالشاعر العظيم محمود درويش قال:
«كرة القدم فسحة تنفس تتيح للوطن المتفتت أن يلتئم حول مشترك ما».

كم من الجميل أن نجتمع حتى لو كان تجمعنا للمرح والمتعة نضمد جروحنا بأقدام نجوم الساحرة المستديرة، دون أن يعكر صفونا سياسي أو فاسد أو إعلامي.

سيخرج علينا أحد لا يحب الكرة ليعلن -مستنكرًا أمرنا بكل سذاجة- أن إسرائيل تضرب غزة الآن ونحن نتابع كلاسيكو الأرض مثلا وسأقول له ببساطة: هناك من لا يحب ولا يتابع كلاسيكو الأرض فليذهبوا ويمنعوا ضرب غزة وهذا بالطبع لن يحدث.
لا أقول ذلك لأنه لا يعنيني أمر غزة ولكن أقصد أن بالأمس أيضًا وفي كل الأيام تُضرَب غزة ولا يوجد كلاسيكو ولا يوجد رد!

نحن من يريد الإلهاء يا عزيزي ليست الدولة فقط، فالفن والكرة وقراءة الروايات وغيرهم أشياء قد تهمك وقد لا تهمك، تذهب إليها بكامل إرادتك هربًا من أعبائك اليومية وبكل ما يحمل صدرك من هموم، وقد تذهب لأشياء أخرى تخرج فيها مشاكلك، وقد لا تذهب وتكتفي فقط بالعمل وتناول الطعام والنوم وربما ينظر إليك أحدهم منتقدًا: هل تستمتع بحياتك هكذا؟
– وأنا فقط أريد أن أعرف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد