بدأ كلامه بأن قال: الله – وحاشاه – نرجسي مغرور، ألا تراه يطلب من الناس عبادته وتقديسهم له فيقول (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).

فكيف يكون إلهًا عظيمًا حكيمًا ثم يطلب من المؤمنين به أن يكونوا مجرد عبيد يخافونه ويأتمرون بأوامره؟

أليس هذا دليلا على أنه مريض نفسي؟ وكانت هذه الكلمات هي السبب الذي دفعني للتفكير في هذا الموضوع محاولا أن أصل إلى معنى العبادة على قدر ما يتبين لي، فالله الحكيم بالطبع ليس ساديًا يريد من أتباعه المذلة و(مرمغة) الوجه في التراب كي يشعر بقيمته ومكانه، إذن فلماذا يجزم بأنه لم يخلقنا إلا لنعبده، وكأننا ليس لنا عمل آخر في الحياة سوى عبادته؟

بداية أقولها وبكل ثقة أن معنى العبادة في الآية السابقة لا يعني المذلة أو قضاء الحياة في أداء العبادات الطقوسية من صلاة ودعاء وتبتل وغيرها من أشكال العبادة، وذلك لسبب بسيط للغاية، وهو أن العبادات المفروضة في الإسلام بل وفي الديانات الأخرى لا تشغل إلا قليلًا من وقت المؤمن.

ولو أن الله لم يخلق الإنسان إلا لأداء العبادات الطقوسية لكان عليه أن يملأ يومه بهذه العبادات تاركًا وقتا قليلا لأنشطته الحيوية، بل ولخَلَقَه قادرًا على الاكتفاء بأقل القليل من الطعام والنوم حتى لا يضطر لترك العبادة والانشغال بالعمل ومتطلباته، ولجعله يخلو من الشهوات والرغبات أو على الأقل لحرَّمها عليه تماما.

فلا جنس ولا رغبة في النجاح والقوة والحب وغيرها من الرغبات سواء كان ذلك بطريقة شرعية أو غير شرعية، لعلنا هنا نتحدث عن الملائكة، فهم بالفعل تلك المخلوقات التي لا همَّ لها سوى أداء العبادات الطقوسية بلا متطلبات أو شهوات أو رغبات.

أما خلق الإنسان على صورته الحالية فهو يشير وبوضوح إلى أن الله لا يريد منه العبادة الطقوسية فقط، وبالتالي يكون للعبادة مفهوم آخر غير ذلك. فما هو؟ إن العبادة في اللغة تعني التمهيد والتسوية، فقولك (عبّدت الطريق) معناها أنك مهدته وجعلته متساويا حتى يسهل على الناس السير في الطريق لغاياتهم وأهدافهم.

وبتطبيق ذلك المعنى على مصطلح (العبادة) لوجدنا أن العبادة هي تمهيد لطريق المؤمن حتى يكون قادرًا على السير في هذا الطريق ليصل إلى الغاية والهدف البعيد، وبالتالي نستطيع أن نقول أن العبادة في حد ذاتها ليست هي الغاية والهدف.

وإنما هي وسيلة تساعد المؤمن على شحذ قلبه وجوارحه حتى يستطيع السير للوصول إلى الغاية، ولعل المتدينين أنفسهم هم الذين يتحملون مسئولية إفساد معنى العبادة عندما صدروها للآخرين على أنها كل الدين، فإذا ما سألت أحدهم عن معنى المتدين لقال لك بكل ثقة: هو الذي يصلي ويصوم.

أي أنه جعل العبادات الطقوسية هي الدليل على تدين الفرد (ربما لسهولتها)، وبالتالي يكون هو نفسه مرتاح الضمير عندما يرتكب الفظائع، حيث يكفيه أنه يؤدي أهم ما في الدين – من وجهة نظره القاصرة – فهو يصلي ويصوم، وبالتالي حدث ما نشكو منه الآن حيث انفصلت العبادات عن حياة الناس، وصرنا نرى التناقض بين مؤدي العبادات الطقوسية وأفعاله في حياته.

وهنا يكون من المناسب بسط القول لبيان معنى العبادة، حيث أرى أن العبادة أنواع متراتبة، وأولها العبادات الطقوسية التي ما هي إلا وسيلة مساعدة للمؤمن كي يرتبط بربه ويحرص على علاقته، ويمهد قلبه وجوارحه لاستكمال طريق الإيمان، فهي ليست أهم ما في الدين، ولكنها الوسيلة – فقط الوسيلة – لتنقية الإنسان، ويشاركها في ذلك أمور أخرى، وهذه العبادات الطقوسية فائدتها الأكيدة دوريتها وتتابعها الدائم الذي يشعر معها المؤمن بالارتباط بالله، ووجوده داخل منظومة ينتمي إليها، وعليه الحفاظ عليها ومتابعتها.

وهنا يستطيع أن يصل المؤمن إلى المرحلة الثانية من مراحل العبادة حيث مرحلة الصدق، فهو يصل إلى تساوي ظاهره وباطنه، فيملك نفسا صادقة قادرة على الاعتراف بالأخطاء دون مبررات ودون تجميل .
للوجه القبيح فيها، حيث يبدأ في الإحساس بصفاته الفطرية الحقة بلا تشويه لها، مما يجعله يستطيع بداية السير على الطريق المستقيم الذي وصفه له.

ومع بدء السير على الصراط المستقيم تبدأ المرحلة الثالثة من العبادة، وهي مرحلة الإنسانية أو الخير، حيث يجد الإنسان في نفسه القدرة على تقديم الخير للآخرين. نعم فقمة العبادة في تقديم الخير الخالص للناس وحجب شرورنا عنهم، وما فرضه الله علينا من عبادات طقوسية، ومن أحكام، وحلال وحرام لا هدف لها سوى تجهيز إنسان قادر على تقديم الخير للآخرين وحجب شروره عنهم.

 

وهذه المراحل تبدو واضحة في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)، فنلاحظ في الآية أن الله طالبَ الذين آمنوا في البداية بالركوع والسجود (أي العبادات الطقوسية)، حتى يصلوا لمرحلة (اعبدوا ربكم) حيث الصدق معه والسير على طريقه المستقيم، ليكونوا مهيئين للدخول في المرحلة الثالثة وهي مرحلة (افعلوا الخير)، ولعل من الملاحظ هنا أن الله فصل بين الركوع والسجود من ناحية، وعبادة الله من ناحية مما يشير إلى أن هذه العبادات الطقوسية ليست هي عبادة الله.

وبالتالي يمكن تعريف العبادة على أنها (السير في طريق الله المستقيم الذي قد طبعه الله في النفس الإنسانية فيما يسمى الفطرة مع استخدام الطقوس كوسائل مساعدة للإنسان كي يسير في هذا الطريق المستقيم)، وفي ذلك يبرز قوله تعالى (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)، فهو وصف صريح للعبادة باعتبارها هي الصراط المستقيم.

ومن هنا نفهم قوله تعالى (واعبدْ ربكَ حتى يأتيك اليقين) بأنه إشارة إلى أن الإنسان يحتاج إلى جميع أنواع عبادة الله حتى يستطيع أن يصل إلى اليقين الذي هو الهدف البعيد الذي يسعى إليه الإنسان طوال حياته، وبالتالي لا يطمع إنسان في الوصول إليه بمجرد أداء بعض العبادات الطقوسية والشعور بالراحة واللذة بعده لأن حياة الإنسان ما هي إلا مشقة ومقاومة للاستمرار في السير على الصراط المستقيم، وهذا السير هو العبادة حتى يستطيع الإنسان تحقيق غاية الله من خلقه، وهو الوصول إلى اليقين.

وعلى هذا لا يكون هدف الله من خلق الإنسان لعبادته إذلاله وإشباع رغباته النرجسية – تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا – وإنما أراد عزة الإنسان وحريته لأنه طلب منه ترك بقية الصراطات الأخرى التي تفرض عليه الخروج عن فطرته النقية، وبالتالي صار الإنسان لا يخضع إلا لقوة الخير المغروسة فيه، ولم يعد عبدًا لهذه القوى الأخرى التي تفرض عليه الخروج على مقتضى الخير، فالله الذي شرف الأنبياء والرسل هو الذي وصفهم في مواضع شتى في القرآن الكريم بلقب (العبد) لا إذلالا لهم – لأنهم أكرم الخلق – ولكن تشريفًا وتعظيمًا.

فأنت أيها الإنسان بجبروتك وظلمك، أنت الذي جعلت من لقب العبد أمرًا مذلا ومهينا عندما خرجت عن الصراط المستقيم لتحني رقاب الآخرين فجعلتهم عبيدًا يباعون في الأسواق فيما مضى، أو جعلتهم عبيدا لآليات السوق ولشهواتهم ورغباتهم والموضات والماركات في أسواق النخاسة المعاصرة، أما الله فهو الذي منحك العزة والحرية عندما طالبك بأن تكون (عبدًا) له؛ أي سائرا في طريق الله المستقيم لتفعل الخير وتكفي الآخرين شرورك غير خاضع سوى لهذا الصراط المستقيم.

غير خارج عن مقتضى الفطرة الخيرة التي تجعل منك إنسانًا رهيفا يحنو على إخوانه من بني الإنسان، ومن غير بني الإنسان في كون متناغم من الخير والمحبة والسلام.

ولعل هذا المقال يرتبط بمقال سابق يبين معنى الصراط المستقيم المقصود في هذا المقال، وهذا هو رابط هذا المقال لمن أراد الاستزادة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد