إذا أردت أن تعرف مدى صلاح أحدهم وتقواه، فلا تنظر إلى صلاته، وزكاته، وصيامه، وحجه؛ لأن هذه الأعمال يتساوى فيها المؤمن والمنافق، والمُخلص والمُرائي، والمتواضع لله والمعجب بنفسه المتكبر على من حوله، وإنما انظر إلى موقع أمر الله في قلبه، فإذا كان معظِّمًا لأوامر الله ونواهيه، مجاهدًا نفسه على امتثال هذه الأوامر واجتناب تلك النواهي بقدر استطاعته، جاعلًا من القرآن الكريم والسنة النبوية دستورًا له، يُحكِّمه في أموره كلها، ولا يجد في نفسه حرجًا ولا ضيقًا مما قضى، وإنما التسليم والطمأنينة، فحينها يمكن أن تعده تقيًّا صالحًا مُريدًا لله.

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65).

ومما يوضح ثمرة هذا التسليم لأمر الله على المجتمع، أنه في ثلاثينيات القرن الماضي صدر في الولايات المتحدة الأمريكية قرارًا بحظر الخمر، وذلك بعدما رأوا الكوارث التي جاءت بسببه كالقتل والعنف والاغتصاب وغير ذلك، فهو أصل كل الشرور، فكانت النتيجة أن لم يحفل بهذا القرار أحد، وما هي إلا سنوات قليلة حتى أُلغي هذا القرار، وعاد الأمريكيون إلى الشرب أكثر مما كانوا عليه قبل القرار، أما صحابة رسول الله – عليه الصلاة والسلام- وقد كان الخمر لديهم كالشاي عند الأتراك والقهوة عند الفنلنديين، ومع ذلك فإن ثلاث كلمات من الله تعالى إليهم «فهل أنتم منتهون؟» كانت كفيلة بأن تطوف طرقات المدينة بالخمر الذي ألقوه.

أما الآن فإذا أراد المسلم أن يقنع مسلمًا بترك مشاهدة الأفلام الإباحية، فهو بحاجة إلى أن يقدم له جميع الأدلة والبراهين العلمية التي تثبت إتلاف هذه الأفلام للخلايا الدماغية، وتدميرها للحياة الزوجية، إذ إن مشاهد هذه الأفلام يعتاد على ألا يُثار إلا بها، وبعد الانتهاء من استعراض هذه الإثباتات فإنه يُذكّره بأنها محرّمة!

والأمر ذاته إذا أراد أقرباء فتاةٍ ما إقناعها بارتداء الحجاب، فإنهم يقولون لها بأنها تبدو جميلةً بالحجاب، وأنها بارتدائه لن تضطر إلى تصفيف شعرها كلما أرادت الخروج من المنزل، وفي النهاية يقولون لها بأنه يحرُم عدم ارتدائه. وقِس على هذه الأمثلة الشيء الكثير.

وبذلك أصبح شرع الله مُلحقًا أي أمر ثانوي زائد يُضاف إلى شيءٍ أساسي، وهو الحجج والبراهين والفوائد المحسوسة! بحيث أصبح معظمنا لا يمتثل لأمر الله، ولا يجتنب نهيه إلا إذا عرف الحكمة من ذلك، أو التمس فائدةً حقيقيةً تعود عليه بامتثال هذا الأمر واجتناب ذاك النهي. وصار شرع الله – العالم بالنفس البشرية وبما يصلحها– قيدًا ثقيلًا على نفوس معظم المسلمين، فيتحينون الفرص للتهرب منه، والمراوغة عليه، وكأنهم يظنون أن ذلك كمراوغة شرطي المرور بقانون السير، والموظف الحكومي بورقةٍ مزورة، ولا يدرون أنهم إنما يراوغون الله الذي يعلم سرهم ونجواهم.

وسبب ذلك كله هو ضعف الإيمان بالله – عزّ وجل- إن لم يكن انعدامه فكانوا كالأعراب الذين نزل فيهم قوله تعالى:

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ.

وأخيرًا، علينا أن نتيقن بأن الخير، كل الخير، بالتزام شرع الله، فهو وحده العالم بما يصلحنا، وإذا أردت التأكد من ذلك، فعُد إلى سير الصحابة لتعلم كيف أنهم قادوا الأمم بهذا الشرع الرباني، أما إذا كنت لا تريد العودة إليها -مدّعيًا أن لكل زمن شرعه– فانظر لمن حولك من الملتزمين التزامًا حقيقيًّا فستجدهم أصلح الناس بالًا وأكثرهم راحةً وطمأنينةً ورضاءً وقناعةً، حتى وإن كانوا ليسوا بأرغدهم عيشًا وأكثرهم رزقًا، وهذا من أسرار الالتزام بشرع الله وثمراته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد