إنها سنة الله في الأرض وحكمته، أ ن يستمر البلاء وأن تستمر المعاناة أمدًا معينًا، لا أن تنكشف الوقائع مباشرة، ربما ليزيد المؤمنين والصابرين أجرًا، وليدفع المجرمين إلى مزيد من الطغيان فإما أن يأخذهم أخذة واحدة أو لا يكون لهم في الآخرة إلا العذاب الشديد، وهذه سنته سبحانه وتعالى لم تكن محصورة في الضعفاء فقط بل اتسعت لتشمل عباده المقربين من الأنبياء والصالحين.

سأستعرض في هذا المقال عددًا من الأمثلة:

سأبدأ بقصة يوسف عليه السلام، هذا النبي الذي بدأ حياته بمكر ٍمن إخوته حيث أجمعوا أن يلقوه في غيابة الجب، اقتضت حكمة الله أن تسير قصته وفق نواميس هذا الكون، فلم تتدخل الإرادة الإلهية مثلا لأن يهتدي إلى طريق بيته وحده، أو أن تكون وجهة القافلة التي وجدته موطنه فتنتهي القصة وتنتهي معاناته ومعاناة والده هناك، بل سارت الأحداث ودخل بيت العزيز، وجرت قصته المعروفة مع امرأة العزيز وحينما استقر الرأي أن يدخلوه السجن رغم ثبوت براءته، تعرف على العبدين الذين فسر لهما رؤياهم، ووصى الذي ظن أنه ناج منهما أن يذكره عند سيده، لكن مرة أخرى اقتضت الحكمة أن يستمر البلاء وأن ينسى العبد وصية يوسف فليبث في السجن بضع سنين، نعم، استمر البلاء سنين ربما لحكمة استطاع بعض العارفين استنباطها وخفيت عن كثير.

وتكثر الأمثلة في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الابتلاءات؛ ففي بعثته عليه السلام تعرض هو وأصحابه على مدار ثلاث عشرة سنة لشتى أنواع الأذى من قريش حتى شكا أصحابه له شدة الابتلاء ففي حديث خباب بن الأرت قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال : «كان الرجل فيمن قبلكُم يُحفر لهُ في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاءُ بالمنشار فيُوضعُ على رأسه فيُشقُّ باثنتين، وما يصدُّهُ ذلك عن دينه، ويُمشطُ بأمشاط الحديد ما دُون لحمه من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دينه، واللّه ليُتمنّ هذا الأمر، حتّى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلّا اللّه، أو الذّئب على غنمه، ولكنّكُم تستعجلون». وخباب رضي الله عنه راوي الحديث السابق  كان يعذب بالنار فلا تنطفئ إلا من ودك ظهره.

 ثلاث عشرة سنة من الأذى والقهر والتضييق والعذاب، ربما وقع في ذهن أحدهم أنه كان بالإمكان اختصارها بأن تُلاقي دعوة الإسلام القبول عند سادات قريش منذ البداية، لكن لا، فالحكمة أعمق من دعوة تتلقاها قبيلة ما فتؤمن بها دهرًا ثم تندهر ويندثر معها إيمانها ، إنها رسالة رب العالمين لكل البشر فكانت الهجرة لتكون انطلاقة هذه الدعوة إلى العالمين جميعًا، وليكون عداء قومه له عليه السلام حجة على من يقول إنها دعوة قرشية أرادتها قريش لفرض زعامتها على العرب كافة،وكان عداء عمه أبو لهب حجة على من يقول إنها دعوة أبناء عبدالمطلب ليفرضوا قوامتهم على قومهم، وسارت هذه الدعوة وفق نواميس الكون وليس بالمعجزات والخوارق لكي لا يقول المتأخرين من المسلمين أن لا نصر ولا رفعة لهذه الأمة إلا بالخوارق،فكانت سيرته وصحبه رضوان الله عليهم حجة على المتأخرين الذين ينتظرون المعجزات.

وقد يستمر البلاء فترة من الزمن تأديبًا للمسلم حتى يتعلم المسلم سلوكًا أو حُكمًا شرعيًا جديدًا فحينما قررت قريش امتحان صدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم استعانت باليهود لامتحانه عليه السلام فسألوه عن الأسئلة المشهورة التي ذكرت في سورة الكهف فما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن وعدهم بالإجابة دون أن يربط ذلك بمشيئة الله فتأخر نزول الوحي بالأجوبة حتى كثر الكلام في حقه فجاء الجواب لاحقا من السماء  مقترنًا بتهذيب وإرشاد لسلوك قويم وهو ربط الأفعال المستقبلية بمشيئة الله عز وجل «وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ».

وفي حادثة الإفك اشتد الخطب على قلبه عليه السلام حيث وقعوا في عرضه، وتأخرت براءة عائشة رضي الله عنها شهرًا كاملًا حتى افتتن الناس ولم تعد تلك الشائعات حكرًا على المنافقين فوقع فيها بعض المؤمنين فضاق الأمر عليها وضاق على والديها وترك رسول الله حجرتها منذ ما قيل فيها، حيث تروي رضي الله عنها: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ثم جلس،  فتشهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم – حين جلس، ثم قال: «أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه». وفي هذا الابتلاء الشديد الذي نزل في الجانب الخاص من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نراه عليه السلام كامل الثقة أن الله سيكشف براءة زوجته رضي الله عنها ولو بعد حين.

وقد يستمر البلاء تطهيرًا للمسلم عن خطاياه، ففي خادثة المتخلفين عن غزوة تبوك، ابتلي الصحابة الذين تخلفوا وهم (مرارة بن الربيع و هلال بن أمية وكعب بن مالك) عن الغزوة بعقاب شديد حيث اجتنبهم الناس وابتعدت عنهم زوجاتهم،حيث يروي كعب بن مالك رضي الله عنه أن الناس تغيروا لهم حتى تنكرت له في نفسه الأرض حتى أنه كان يسير في الأسواق فلا يكلمه أحد فطال ذلك عليه، وفي خضمِّ ذلك نزل به ابتلاء آخر حيث أرسل إليه ملك غسان -وكان كافرًا – كتابًا يدعوه إلى الالتحاق به وترك محمد ومن معه ممن جفاه من الناس،فلم يستجب له وحرق كتابه، واستمر العقاب خمسين ليلة حتى جاءت توبتهم تنزيلًا في قرآنٍ يُتلى إلى يوم القيامة.

إذن قد يطول البلاء وتستمر المعاناة لكن حتما لسبب وحكمة قد يستنبطها البعض لكنها قد تبقى خفية على الكثيرين، وفي كلتا الحالتين على المؤمن أن يصبر وأن يوقن بحكمة الله عز وجل ليس فقط في البلاء بل في تأخر انكشافه أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد