من الخطأ الإصرار على اعتبار أن أسباب تخلّفنا مبهمة ومعقدّة وغامضة؛ لأن التخلّف في الحقيقة هو أمر عارض له أسباب لم يأتِ من فراغ، لكن العامل المهم هو في كيفية التعامل مع أسباب التخلّف هذه، وكيفية طرح حلول لها، وهذا العامل هو الذي إما أن يسهّل حل المشكلة أو يعقدها.

فالعالم الغربي –والعالم المتقدّم عمومًا– وصل إلى ما وصل إليه من تقدّم، بعدما فهم أن التنمية تبدأ عن طريق الإنسان، فعبودية الأوروبي للملك والكنيسة كانت سبب جهل وظلامية أوروبا، فركّزوا على الإنسان لأنه مركز الحضارة وسيّد المخلوقات على هذه الأرض، فنقلوه من البدائية والوحشية بإعادة الاعتبار إلى عقله، ثم ارتقى إلى المدنية بأن اعترف أن الناس سواسية في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الجنس والانتماء الديني، ثم أخرجوا طاقته الإبداعية بالدعوة إلى حريّة التفكير والبحث والبوح بالآراء، أما نحن فما هي أسباب تخلّفنا؟

بما أن مجتمعاتنا معروفة بالتديّن والمحافظة، وبسبب التأثر بالتاريخ الإسلامي، اعتادت على أن تصبغ كل أمر بصبغة دينية، ففسّر مشايخنا الكرام بطريقتهم المتسرّعة المليئة بالعاطفة واللاعلمية، أن تخلّفنا عائد إلى نقص شاب في إيماننا، ويوافقه في ذلك المسلم العادي، الذي يضرب أخماسًا بأسداس، على زمن الفتوحات الخاطفة السريعة، ويتحسّر على ضياع زمن عدالة الخلفاء وتسامحهم وتقشّفهم الذي بلغ الآفاق حتى أصبح الحديث عن بلاطهم الممتلئ بالسبايا وأعداد أزواجهم الفلكية والدعارة المنتشرة في قصورهم، هو كفر بواح ومؤامرة على الإسلام –ولا ندري عن أي إسلام يتحدّثون هل هو الإسلام السني أو الشيعي- وهي الأحداث التي ملأت كتب التاريخ الإسلامي المكتوبة بأيدي المتعصّبين للإسلام نفسهم، ويتباكى على زمن الانتعاش الاقتصادي والرفاهية التي كانت بأموال الجزية والجباية التي ملأت جيوب خلفائهم لا جيوب عامة المسلمين التي تقطع أياديهم وتجلد ظهورهم إن قالوا لحاكمهم من أين لك هذا؟

وما يفوت المشايخ المحترمين وهم يتحسّرون على الماضي المجيد، ويعاتبون المسلم الفقير في المساجد الذي يأتي بحماسة لكي يصلّي ويدعي ربّه أن يغفر له ويرزقه، فيجد نفسه يستمع إلى خطبة الإمام الذي يحمّله وزر تخّلف بلاده وسقوطها في ثقب الانحطاط الأسود، أنهم هم المسؤول الأول عن دين الله والمدافعين عن ما يسمونه «سنّة رسوله»، وبالتالي هم من فشلوا في رعاية دين الله حقّ رعاية، فلا ثقة بعد فشل، فقالوا إن لا سيطرة لهم على إيمان الناس وتديّنهم، فقلت لهم إنكم أنتم حرّاس الدين فمنعتم العامة من مناقشة آرائكم، وفتّشتم عن ضمائر الناس، حتّى اتبعتموهم إلى صغائر الأمور كطريقة دخول الخلاء، وكيفية معاشرة المسلم لزوجته، وكيف يجب أن تلبس المسلمة، مستندين على أحاديث النبوية من رجال أتوا من أقاصي بلاد آسيا الوسطى بعد وفاة الرسول بقرنين يقولون إنه قال وفعل.

ولو نفترض صحّة ما قالوه بأن التخلّف هو نتاج البعد عن دين الله وشريعته، أي أن السبب ديني، فماذا عن العالم المتقدّم؟ هل تطوّر بالتوراة المسمّاة بالعهد القديم؟ هل كان للإنجيل أي دور في تقدّم أوروبا؟ هل تقدّم الغرب بسبب تمسّكه بالصليب وتعاليم يسوع؟ لكن كيف يعقل ذلك والمسلمون يعتبرون أن المسيحية ديانة محرفة ودخلت فيها أهواء البشر؟ كيف ينصر الله أصحاب عقيدة محرفة ويقف ضد أصحاب الحق وأنصار حزب الله؟

لقد كذبوا على الناس وقالوا إن الهزيمة كانت بسبب البعد عن الله، وعندما دخلوا الحرب ضد إسرائيل ظهرت مدى سذاجة أفكارهم، لأنهم دخلوا الحرب من أجل المساجد فخسروها أكثر من مرة وبطريقة «كرنفالية»، وهم الذين ظنوا أن بالتكبير والصلاة سينزل الله لهم الملائكة لتقاتل وتحارب الصواريخ إلى جانبهم، حتى خرج في أيّام حرب 67 من قال إنه رأى الملائكة تحارب بجوار الجنود المصريين، فهل كانت أيضًا مع الجنود المصريين الأقباط؟ لقد غابت حقيقة كبرى عن أذهان رجال الدين المسلمين أن شأن الحضارة والتقدم هو شأن إنساني ودنيوي لا علاقة للدين به، فالحضارة تبنى بالعلم وعلى سواعد العلماء والمخترعين.

فهل الغرب المسيحي تقدم بسبب الكتاب المقدس؟ ماذا قدمت المسيحية للحضارة الغربية والعلم؟ أليس اتهام العلماء بالهرطقة وحرقهم وهم أحياء وهرس لحومهم وعظامهم تم باسم الدين وبمباركة رجال الدين؟ فالقائمون على الدين المسيحي فعلوا كل شيء لكي يبقى هذا الوضع ولو بالكذب، فهم من عرقلوا مسيرة الغرب نحو الحضارة والتقدم، وهم من وقفوا ضد العقل والعلم بكل الوسائل فلجؤوا إلى نشر الخرافات بين الناس، ونسبها للكتاب المقدس كخرافة عمر الكون الذي قدروه بأربعة اآاف سنة لكن جاء العلم وأثبت عكس ذلك.

وليس حال رجال الدين المسلمين أفضل من ذلك، وهم من أكثر الناس تسفيهًا لمعتقدات الآخرين، فهم يدّعون أن العودة إلى مصاف الحضارة تكون بالعودة إلى الإسلام الصحيح المتمثل في إسلام القرن العاشر وإسلام ابن تيمية والاقتداء بأفعال السلف في كل شيء، وقالوا إن الإسلام هو سبب ظهور العلماء الكبار أمثال ابن الهيثم وابن سينا والفارابي وغيرهم، لكن بالله عليكم كيف تضربون الأمثال بهؤلاء العلماء وتتسترون على تكفيركم لهم واتهامهم في دينهم، ولا تزالون حتى الآن ترمونهم بالزندقة والردّة؟ من صادر كتبهم وأحرقها وأتلفها وضيّع علينا علومها؟ من حرّض الناس عليهم؟ وبعد ذلك يقولون إن هؤلاء العلماء عالميون ويعرفهم الجميع مسلمًا كان أم غير مسلم.

فحتى يكون المفكر عالميًّا يجب أن يخاطب الإنسانية وليس دينها، فبربكم هل تخاطبون الإنسان أم دينه؟ فإن قلتم الإنسان فسنقول لو كان كذلك لمّا كفّرتم بعضكم البعض وأفتيتم بقتل «المبتدعة»، ولم يكن للفتنة الكبرى بين المسلمين أن تحدث وينقسمون إلى فرق ومذاهب، ولما قتل المسلمين بعضهم بعضًا لأتفه الأسباب، ولو قلتم خاطبنا دينه فالدين يخاطب الروح والعقل، أما أنتم فلا عرفتم حقيقة الروح ولا قيمة العقل، أنتم مجرد استمرارية لزمن الجهل والرداءة والانحطاط.

إن كل العلماء المسلمين المعروفين عند الغرب مثل ابن سينا وابن رشد وغيرهما تم اتهامهم كلهم في دينهم، وتم رميهم بالزندقة والإلحاد؛ بل لا يوجد عالم مسلم واحد معروف عند الغرب إلا وتم تكفيره واتهامه في دينه وترصّدوا رفقة أسيادهم السلاطين لكل من أعمل عقله، فكفّروه وهمّشوه والسّجن أودعوه، ومع ذلك لا يمر يوم إلا ونسمع، مئات المرات، أن الإسلام يدعو إلى التفكر واستعمال العقل، فالمؤسسة الدينية الإسلامية لم ولن تسمح للمسلم باستعمال عقله في أمور الفقه، فمثلًا عندما قال أبو يعقوب الكندي، في أيام خلافة المتوكل: «إن النبوة تعلو على الفلسفة في بعض الأشياء ولكن محتوى الاثنين لا يختلف كثيرًا»، نفاه المتوكل من بغداد وصادر كتبه.

إن سبب تخلف المسلمين ليس راجعًا إلى الإسلام وليس الدين عمومًا، فالإسلام لم تكن له أيّة علاقة بعلم «ابن الهيثم» ولا غيره، إنما السبب هو تخليهم عن العلم والاجتهاد في طلبه، والاعتقاد الزائف بالتأييد الإلهي، فالله لا ينصر الكسالى والضعفاء، إن تخلف المسلمين راجع إلى استغنائهم عن عقولهم وتسليمها إلى شيوخهم العباقرة، إن سبب تدني المستوى الحضاري للمسلمين هو كرههم للتعايش السلمي مع أصحاب العقائد الأخرى والتعامل معهم معاملة حالة الطوارئ، والتوجس منهم دائمًا ومن مكائدهم، وكأن العالم الغربي لا هم له إلا الإسلام والمسلمين، ويعزز ذلك أسطورة المؤامرة الصليبية الصهيونية العلمانية مثلما يسمونها.

فكان المسلمون يحاولون تعويض الضعف وعقدة النقص والهزيمة، بشعورهم بوهم التفوق الأخلاقي، وعندما ورثنا هذا الظلام وحدثت لدينا صدمة الحداثة في القرن العشرين طالبنا بالاقتداء بالغرب في كيفية بناء حضارته؛ فاتهمنا من طرف الكهنة بفرية البُعد عن دين الله وسنة رسوله، رغم أن الحضارة الغربية لم تقم على دين الله، بل قامت على العقل المكلف بكشف هذا الدين وفهم طبائع الأشياء وتفسير القوانين التي تسيّر الطبيعة، فالمفكّر الجزائري مالك بن نبي اعترف في كتابه «مشكلة الأفكار» أن الحضارة الغربية هي حضارة علم وتقنيات عكس حضارة المسلمين التي هي حضارة دين وغيبيات.

وبدلًا من الصدق وقول الحقيقة المُرّة بأننا حاربنا مفكرينا وكفّرناهم وقتلناهم باسم الدين والسنة وفرحنا بقتلهم، كذبوا وقالوا إن النهضة حدثت بأولئك الفقهاء الذين انشغلوا بمواضيع الحيض وأحاديث السلف مع العفاريت أكثر مما كتبوا في العلم. هؤلاء لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بالحضارة، ولا تعرف عنهم الشعوب غير المسلمة حرفًا واحدًا، ومن يعترض على هذه الحقيقة نتحداه أن يأتي لنا بشعب غير مسلم يعرف حرفًا واحدًا عن ابن تيمية أو البخاري أو الأئمة الأربعة.

إن الدين بريء من التخلّف مثلما هو بريء من التقدّم، فقد أكّد التاريخ أن الإنسان عرف الحضارة قبل نزول الأديان؛ بل وحاليًا هناك أمم بلغت التطور والتقدم مثل تركيا وماليزيا، وهناك أمم غارقة في التخلّف وهي أمم إسلامية فأين المشكلة هنا؟ إن الأمر الذي صنع الفارق هو إرادة الإنسان لا غير، لذلك نستنتج أن الحل هو الاستثمار العقلاني للدين وإخضاعه للواقع مثل التجربة الماليزية، وليس الإصرار على العودة إلى القرن السابع، وبهذا نميّز أن هناك شعوبًا إسلامية تستغل الإسلام في التقدّم، وشعوب أخرى تستغلّه في التخلّف والنقيضان في المنطق لا يجتمعان.

لذلك يجب التوقّف عن خداع الناس ومحاولة حشو عقولهم بالخزعبلات بالادّعاء الشهير في المساجد الذي يردّده الأئمة المنفصلين عن الواقع، وهو «لا يصلح حال هذه الأمة اإا بما صلح أولها» لأن هناك الكثير من الأمم التي صلح آخرها ولم تعرف الإسلام، ولنا أن نسأل عن أي «أوّلها» يتحدّثون؟ هل هو عصر النبي؟ أم عصر الصحابة؟ أم عصر الدّولة الأموية أو العبّاسية؟ شمّروا عن سواعدكم وتوقّفوا عن انتظار المهدي الذي سيحلّ لكم مشاكلكم، فالحلول لا تأتي إلا بسواعد العلماء والمفكّرين والناس الطّموحين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مولود مدي -
عرض التعليقات
تحميل المزيد