لم يظهر أستاذنا الخطيب باعتباره وجهًا أكاديميًا منهمكًا في عمل توجيهي وتربوي طويل، وكان بعيدًا وحتى الآن عن صناعة الكلام، متخلقًا بوعي عميق وفهم دقيق موضوعي وأمين ونزيه، وهي سمات رئيسية في شخصية الأكاديمي، ومع هذا فقد علمنا الخطيب أن نكون من (نقاد الفكرة ولسنا من عباد الشخص) فلا نقف كثيرًا عند من (قال ولكن نتأمل فيما قال).

تعوَد الناس على قراءة أفكار الأموات، وزهدوا بالأحياء الذين يعيشون بينهم، وهذا ما يصعب المهمة فهناك عدم تقدير من البعض وهناك شح في المصادر أيضًا، كما تكمن صعوبة الكتابة عن الأحياء في كون سيرتهم متحركة لم تكتمل بعد، وفي ضرورة توخي الدقة، فمن يكتب عنه ما زال حيًا، وهو ما يتطلب الحذر، وتجنب أنواع الرداءة، وفي مقدمتها:

تحويل المكتوب عنه إلى نبي يتم تقمص عصمته، وهذا ما نرفضه بل نكفر به، وللأسف هو ما يشيع في الكتابة عن المفكرين الأموات.

لا أخفي ميلي الوجداني إلى الأستاذ الخطيب وقديمًا قيل: «من علمني حرفًا كنت له عبدًا»، «وكاد المعلم أن يكون رسولًا».

لكني لم أمنح نصوصه قدسية لا أتجاوزها، بل قمت بدراياتها والعناية بها ووضعها في سياق يوسع الدائرة المعرفية والفقهية المناسبة ويعمقها برشد وتريث. كتب البعض عن أستاذنا الخطيب تعريفًا جاء فيه:

أنا مجرد ثائر
نبت من نحيب الثكالى
وأنين المعذبين
في سجن جائر
من حنين الامهات
ودمع الرجال الحزين
حين تحجرت كل الضمائر
أنا مجرد ثائر
لا تهمني المكاسب
لا تهمني الالقاب والنياشين
أنزف من جرح شعبي الغائر
أنزف …. أنزف…. لأنني إنسان
كفر بهذا العالم المشين
ولم يعد حائر
أنا مجرد ثائر
عشق أن يحيا أولاده بكرامة آمنين
بعد أن تربصت بهم كل الدوائر
أيها الناس
أينما كنتم
سأنتزع حريتي
بحبر القلم وبجد اليقين
في جهاد ليس له نظائر.

إن مشربي الشامي يذكرني ببعض النصائح الصوفية في فهم معنى الفقه.

فالفقه هو التحقق.

والتسيُّد الفقهي يكون بإبدال هاء الفقه راءً.

الفقه= الفقر. الفقر=فناء الذات. فناء الذات=التحرر. التحرر=تسيد على أي سلطة، التصوف طريقٌ للتحرر التصوف مقاومةٌ للظلم.

إن وجدانيات الخطيب لم تكن دروشة ولا سبحة ولا طلاسم بل كانت إنسانية مرهفة وصولات في عالم أحول ينظر إلى القضايا بقساوة قلب وجفاف روح.

صوفية مؤنسنة، وديانة معقلنة ووطنية راشدة وسياسة خلوقة إنها التطبيق العملي لذهن الخطيب.

يقول الخطيب[1]: «ليست السكاكين وحدها هي التي تنحر في العراق وغير العراق، بل إن الفكر الذي يغذي ذلك موجود في الأعماق، وما يحصل إنما هو نتيجة ثقافة دموية كامنة تضع المقدمات للنحر المخيف. وقد تبلد حس بعض الناس رغم ما تحمله هوامش الأخبار كل يوم من مرعبات الحوادث».

ولذلك كان كتاب المشروع البديل أحمد معاذ الخطيب وكأنه جيش غير منظور من الكماة والرماة في الفكر والروح والدين والوطنية والإنسانية والسياسة.

فنحن وإن جعلنا عدتنا زاد الخطيب إلا أن عتادنا كان فهم الفهم مع التأدب المقرون بالنقد التأسيسي الذي يحرص على الارتقاء والانتماء للخطيب دون مجافاة لعين غيره وبصيرة غيره وهو ما لفت النظر إليه المفكر الكبير سليم العوا في كتابته المقدمة بقوله: قراءة استمتاع واستفادة.

فأما الاستمتاع فبما تضمنه الكتاب من حقائق تاريخية وأما الاستفادة فبما جمعه المؤلف النابه، على صعيد واحد، سهل المتناول، قريب المأخذ، من فكر الشيخ أحمد معاذ الخطيب.

ولم يكن هذا البحث ليستقر على رجليه لولا عصا الخطيب الفكرية نهش بها على الوطنية والدينية والسياسية عسى أن تستقيم الرؤية وتكون سندًا للعقل السوري.

إن المهندس معاذ كان على درجة عالية من الفهم ومن المسؤولية وهو ما تجلى في مواقفه قبل وبعد الثورة وهو ما يبدو جليًا في هذا الكتاب.

يقول الخطيب [2]: (الظلم يملأ المجتمع، ونداء إلى أصحاب النفوذ أن كفوا عن الظلم (لأجلكم لا لأجل المواطنين فقد قارب أن لا يكون هناك شيء يخسرونه واتركوا عنجهيتكم ، وكفاكم وصاية على البلاد والعباد، فلقد قارب أن يطفح الكيل ولا تغرنكم قوتكم وإحكامكم قبضاتكم على أنفاس هذا الشعب الطيب المسكين، فقد مضى قبلكم من كانوا أشد بأسًا وقوة ، وثقوا أنكم مهما تفرعنتم فإنكم لن تخرقوا الأرض ولن تبلغوا الجبال طولًا، وعندما ستقع الواقعة وتحل نهاية الظلم فأنتم أول من سيدفع الثمن، وهو أمر لا نريده لكم ، وأنتم تكتبون في كل يوم وثيقة بالصلح مع الشعب أو بالقطيعة معه، ونحن لا نريد لكم هذا المصير لأنكم إذا أوصلتموه إلى تلك النهاية فستكون نهايتكم نهاية أتباع شاه إيران وصدام وتشاوشيسكو … ولن ينجو ظالم منكم حتى من محاسبته على صفعة لوجه مواطن بريء. رمضان شهر الرحمة وعند الظالمين شهر تخريب البيوت وسماع أنين المظلومين والسكر فوق أشلاء وطن يستباح فلا يترك أبناؤه للدفاع عنه ولا يقوم بحقه الأوصياء!).

تنحصر مهمتي في هذا المقال في الانتقال بأفكار الأستاذ الخطيب من حيز التوصيف إلى التوظيف، ويتضح هذا في نظرية متكاملة تتيح لنا الإنصات لصوت التعقل والاهتمام بهموم الوطن ومراعاة إرادة الإنسان وإمكانات الزمن والمكان.

لقد ساد الخمول والانقباض والاحتقان في المشهد السوري والتراشق القومي والديني والعلماني، فكانت لافتات وتحركات الخطيب غيثًا يحرك ويعيد الوعي والتمدد المتمدن.

وكانت كلمة السر في معادلة الخطيب تقوم على: الإنسان السوري والهوية الجامعة وعراقة الأرض والتاريخ وهي تقارب نظرية مالك بن نبي (الإنسان والأرض والوقت).

من جانب آخر لا يعنينا ماء البئر بل يعنينا عمقه وصلاحيته فلم أوقف عند أفكار الخطيب فحسب بل ذهبت إلى أمرين:

1- البحث عن خيوط التجربة الإصلاحية في توجه الخطيب منطلقًا من الديانة مسعى للتراحم في الحاضر والمستقبل والوعي السياسي للتحرك وفق المتاح وعلى أس وطني جامع وإذا استوقف العقل والدين والوعي توقف الإنسان عن الحياة.

2- الثورة لا تمر عبر مسالك التهور والحرية مسؤولية، وعلينا أخذ العبرة من الماضي فالماضي ليس ما مضى وانقضى بل هو قيم تقيم الحاضر وتقيم المستقبل فلا تمضي ولا تنقضي.

فمن طريق أطروحات الخطيب أتت المنافع ولو التزمنا بها لما وصلنا إلى ما نحن فيه.

ولكننا مع الاحتفاء بها إلا أن الإفادة من الجوهر الحي وليس من الهيكل العي بمعنى إن جوهر محاولات الخطيب تتوجه إلى الاجتماع والتحضر والبناء حتى وإن تجاوزات الأعراف السياسية فقد قال الخطيب يومًا: «قالوا لي إن السياسيين لا يتصرفون هكذا، أنا أسامحهم لأنني مجرد ثائر ولا تهمني الأعراف الأكاديمية لأني أؤمن بأن واجبي هو فقط أن أخدم شعبي ولا تهمني الكلمات ولا الألقاب، قديمًا قالوا: إنما يصدقك من أشرق في قلبه مثلما أشرق في قلبك، ومخطئ من يظن أنني لا أستشير أحدًا، استشرتُ مئات الألوف من شعبنا المنكوب والجريح واستشرت أشخاصًا عقلاء يعملون بصمت وجراحهم تنزف من أجل سورية، استشرت مجاهدين وضعوا أرواحهم على أكفهم حبًا لله ودفاعًا عن أمة تتفرج عليها الأمم واستشرتُ أمًّا فقدت ست أولاد لها في السجون، واستشرت آخرين لا يعلمهم إلا الله، من أصل ثلاثة آلاف وخمسمئة عام من حياة البشر مرّ فيها فقط بضعة أيام بلا حروب. كانت تلك الأمم تقاد من كبار السياسيين ونجحت في حروب طاحنة مرعبة وخسرت في أخرى ولكنها دمرت الإنسان،عفوًا أيها السادة.. أكره السياسيين وأبحث عن الإنسان».

ليتفضل السادة السياسيون والمختصون وبعيدو النظر والمنظرون والمفكرون الثوريون، ومن لهم سنوات ينصحوننا ولم ينقلوا معلومة صحيحة، ومن عندهم آراء بعض الدول أشبه بوحي منزل، ولا ننسى قادة الأحزاب التي حتى على الفيس بوك لا يتجاوز عدد أفرادها ركاب حافلة، والمتعجلون الذين يهاجمون كل شيء قبل أن يفهموه[3]».
«ليتفضلوا جميعًا بتقديم أي مقترح لإيقاف نزيف الدم في بلادنا، وسواء أكان هذا المقترح عمليًا أم نظريًا، فسأشكرهم واحدًا واحدًا، وسأعتذر منهم فردًا فردًا، رغم أن الكثيرين منهم، حتى عندما يتبين لهم خطأهم لا شجاعة عندهم ولا يعتذرون». ليتفضلوا باقتراحاتهم وسأكسر مغزلي، يا من لا تتقنون إلا النقد القاتل والسخرية والاستهزاء: كفاكم، فوطنكم هو الذي يضيع، إن كنتم تعقلون.

قمنا بمد الحبال الفكرية ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا بين تقريرات الخطيب والراهن وإشكالياته والماضي وجذوره والمستقبل وتشكيلاته دون أن أسجن نفسي في حيطان العزلة الفكرية فهذا يجعل الأفكار تتبدد ولا تتجدد ومن توقف تخلف ويصدق قول أبو تمام: كل شيء غث إذا عاد.

إنني أدين في نهاية هذه الكلمة إلى من دعمني هنادي وكوثر ولين وعمر وإياد وهلا وشام وهيفرون وإيفان وعيني حفيدتي لمار التي كان بريق براءتها يحدثني: جدي اكتب كي نتعلم من الكرام ونتجاوز عثراتنا ومهازل اللئام.

يا لمار الماضي لا يمكن اختزاله برجال ولكن من الرجال جبال مهما تقادم الزمن يظل راسخًا الجبل هل تعاقب الدول وتطاول السنين غير قاسيون دمشق كذلك سيظل اسم معاذ الخطيب ينساب في الحاضر ويسكن المستقبل ويتجاوز إحباط الراهن وهو يردد الله سوريا حرية وبس.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد