عندما تباغتني إحدى مستخدمات مستحضرات محاربة علامات تقدم البشرة بشكل مفاجئ قائلة: «متزوجة؟!»، أجيب بعبارة: «لا، لست متزوجة» يرافقها ابتسامة ذهبية، فتكمل وقد اتسعت حدقتها «لِمَ لمْ تتزوجي إلى الآن؟ّ».

هذه الأسئلة وغيرها يتعرض لها كل فرد منّا باختلاف موقعه، فيسألونك عن تأخر موعد إنجاب المجتمعي الذي يبدأ بعد أسبوعين من حفلة الزفاف ويمتد إلى ثلاثة قرون أو أكثر، وعن سبب عدم حصولك على وظيفة، عدم اجتياز الثانوية العامة بعد خبرة تطول سنوات، مرض طفل، تساقط شعر الفتيات، إخفاق في امتحانات الجامعة، إصابة فتاة بصداع بعد رقصها بحفلة صديقاتها، وقوف حال بعض الشباب، انكسار الأكواب، تمزق الفساتين وغيرها الكثير.

هذه الأسئلة في بعض الأحيان لا تكون غريبة بقدر إجاباتها!

عندما صادفتني تلك المرأة «مشكورة» بالسؤال، ألحقت كلامها بعبارة واثقة وعلى طابع صوتها جزء من الحكمة قائلة: «يا ابنتي اذهبي إلى شيخ ليقرأ عليكِ «فتنفك» أمورك».

بالعادة لا أخوض مثل هذه النقاشات ولكن الفضول هذه المرة أجبرني أن أفهم منها عن طبيعة ذلك الشيخ الذي تتحدث عنه بكل ثقة، لربما نوعية حقيبتها الفاخرة شجعتني قليلًا لأكمل معها الحديث.

فسألتها: ما لدي معقودٌ ليُفك؟

قالت: «أكيد معمولّك عمل أو صابتك عين».

عندها النقاش أنهى نفسه وغادر المكان.

بعدها قمت بالبحث في حقيقة الموضوع مع إيماني التام بخرافته!

«هل هناك أحد ينكر وجود العين والجن والسحر؟»

«هناك عينٌ لا يمكن إنكارها، فكيف لا أؤمن بها؟!»

«هل تلبّس الجن بالإنس حقيقة؟»

«هل له تأثير على حياتنا؟»

«كم سمعنا عن الأعمال والسحر وما ينتج عنها من أمراض وشلل نصفي وغيره، هل هذا وهم؟»

 

 

  • بداية لا أنكر أبدًا وجود العين والجن ولكن أنكر تأثير الجن على حياتنا، أما بالنسبة للعين وبشكل مُبسط، عند حدوث أمر ما معك – مهما بلغ تحليلك من الدقة – ووجود اعتقاد يقيني داخل نفسك أنك مُعرّض للحسد من الجميع، أن سبب ما يحصل هو العين أو الجن أو ما إلى ذلك.

 

العين وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهي أمر غيبي، فبالتالي أنت لا تستطيع أن تجزم هل المشكلة كانت بسبب هذه العين أم لا، ولم نسمع بسيرة صحابة رسول الله أن أحدهم قد فسر أي شيء بالعين، فقط رسول الله من أخبر بها لأنه نبي الله وموحى له من الله، فدع عنك هذا التحليل لأنك لا تعلم الغيب، حتى لو كان شكل الكوب المكسور بين يديك شكل «العين»، هذا لا يشفع لك تهورك.

 

  • أما قضية تلبس الجن؛ فلا يقبل التلبس إلا ضعاف العقول والعجائز.

 

لم يسلط الشيطان على الإنسان إلا في باب الوسوسة فقط، أما التلبس وهمٌ لا أصل له ولا يوجد أي دليل شرعي مثبت  وليس هناك آية صريحة تدل على وجود التلبس من الناحية الشرعية.

الآية التي ورد فيها كلمة المس: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ…».

كلمة يتخبط: تعني أنه يسير على غير هدى، إنسان لديه صراع نفسي تجاه أمر ما.

كلمة المس: فسرها العلماء أنه يقصد بها الصراع النفسي الذي يعيشه الإنسان عند فعل شيء حرام ويعيش بصراع من ناحية المعاناة النفسية التي يعيشها الشخص.

والمس هو الدخول إلى داخل الإنسان والتحكم به ولا يوجد أبدًا في أي كتاب باللغة أو أي كتاب فقهي أو تفسير عبر العصور، أورد معنى المس بالتلبس قبل الطبري الذي كان أول من أشار إلى هذه الفكرة.

أما بالنسبة للأحاديث التي يتم تداولها عن «اخرج يا عدو الله» وغيرها من الأحاديث، فجميعها ضعيف ولا يؤخذ به، فلا يوجد أي حديث صحيح صريح يفيد معنى التلبس، وهذه النتيجة التي يُجزم عليها العلماء والباحثون ولا يمكن أن تأتي عبثًا.

وحديث الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال سياقه: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يَقذف في قلوبكما سوءًا». عند العودة إلى سياق النص والقصة، يأتي بمعنى الوسوسة ولا مجال لذكر التلبس بها أبدًا، فيخبرهم الرسول الكريم أن التي معه هي صفية، لأن الشيطان يسري من الإنسان مجرى الدم، أي حتى لا يوسوس لهما الشيطان بشيء آخر، وليس حتى لا يركبكما الشيطان ويتلبسكما!

من النواحي الشرعية لا يوجد أي إثبات قطعي لصحة التلبس، ولو كان هناك دليل واحد واضح وصريح لما كانت مسألة خلافية وبها علماء يجزمون بعدم حدوثها.

ولو حقًا كان الجن له القدرة على التحكم بنا وبتصرفاتنا، وله كمية التأثير الهائلة التي يتداولها الناس، لمثلًا ذكرها لنا الرسول الكريم من ضمن من يُرفع عنهم القلم، فتم ذكر ثلاثة فقط ولم يذكر الملبوس حتى يخرج منه الجنّي!

وبالقرآن الكريم عندما يقول لنا إبليس إنه دعانا واستجبنا له ولم يرد أنه قد ركبنا ولم نستطع أن نفعل شيئًا!

بل إن اعتقادات الإنسان ومعرفته السابقة من القصص والخزعبلات المتوارثة في المجتمع، تجعل هذه الأوهام تتفشى في رأسه ويقوم بتفسير كل الحوادث التي يصادفها بالتلبس.

بالقرآن الكريم قال تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.

وبحديث لرسولنا الكريم – دون ذكر السياق – قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ».

بالتالي التلبس خرافة لا أصل لها.

  • أما السحر عندما قام به أعظم سحرة بالتاريخ وهم سحرة قوم فرعون، لم يكن إلا خيالًا وخدعًا، فكيف أصبح يرتبط بالجن، وقدرات الجن لم تذكر إلا في التسخير للأنبياء، فكيف يتلبس الإنسان ويدخل إلى جسده ويذهب إلى الأعضاء ومراكز الإحساس ويعطّلها ويسبب الأمراض؟

يا له من جن مثقف!

من ناحية علمية، عندما وضعت تصنيفات دولية للأمراض نجد أن الأمراض النفسية تقسم إلى أكثر من 1000 مرض نفسي، ومن أوائل هذه الأمراض النفسية بعنوان «التلبس».

فهي عند تشخيصها وجد أنها تكون ناتجة عن اضطراب بالدماغ البشري أو بسبب الإيحاءات بنوعيها الداخلية (التي يؤثر بها الإنسان على نفسه) والخارجية (التي يسمعها الشخص من غيره ويتأثر بها).

هذه الأمراض لديها أكثر من طريقة للعلاج منها الدوائي أو الكهربائي أو الجلسات العلاجية النفسية أو السلوكية، وقد استطاع  العلماء إعطاء عقار يسمىLSD  يعمل على تغييرات كيميائية في مادة الدوبامين في الدماغ أدت إلى الهلوسة والتهيؤات.

هناك بعض الحالات التي رآها البعض من حالات التلبس وقال إنه يرافقها تشنجات وتغيير بالصوت والكلام الغريب، هذه التشنجات تحدث في حالات الصرع (المعروفة طبيًّا)، وإذا كان الشخص لديه مشاكل نفسية والإيحاءات قد سيطرت عليه بشكل كامل فجسمه سيستجيب لكل أوامر عقله الذي أصبح مؤمنًا بهذه الأوهام، ويتصرف على أساسها، وما يصاحبها من تغيير بالأصوات، كل إنسان لديه القدرة على تغيير صوته وخصوصًا النساء.

ختامًا:

عند حدوث مشكلة أو مرض، لا تلهث وراء الأسباب، عالج الأعراض وازرع في قلبك اليقين بالله.

مرضت: اذهب إلى الأطباء المختصين، ادع الله أن يشفيك بيقين المؤمن بالله فقط، وإياك أن تذهب إلى شخص يخرج ستة من الجان من إصبع قدمك اليسرى.

أخفقت في دراستك: ليست عينًا أو عملًا من جارة والدتك بسبب الغيرة، بل أنت لم تدرس جيدًا، ضع خطة منظمة لحياتك، غيّر معتقداتك الداخلية ذات الأفكار البالية، اعمل بجد وبهمة وتوكل على الله بالإصرار والعمل وستنجح بإذن الله.

لم تنجب، لم تتزوج، لم ترزق بمال، لديك مشاكل: تعليق أمور حياتك على أسباب تافهة تدل على عدم الإيمان والثقة بالله، اسعَ نحو ما تريد بكل طاقتك، بالفعل والإيمان فقط، عزز بعقلك كل المعاني الإيجابية، تفاءل بالله وبالأيام القادمة، استعمل المفاهيم التي تنقذك وتنقذ أمتك، وستنجح لا شك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد