الطريق إلى «كورس الإنجلش»

فى أول محاضرة لنا لتطوير الإنجليزية، «كورس الإنجلش»، كما نسميه، سألنا المحاضر عن الفارق بين كلمتي (accent & dialect).. بالطبع كان معظمنا يعرف أن (accent) تعني اللكنة، وإلا فلماذا جئنا إلى هنا! لكننا توقعنا أن (dialect) تشير إلى اللهجة، وبالفعل كانت كذلك.. لكن ما الفارق بينهما؟

اللهجة هى طريقة نطق لغة معينة في منطقة ما يستطيع أهلها التعرف عليها، ويكُثرون استخدامها في حياتهم اليومية، ومثال ذلك اللهجة الصعيدية أو اللهجة البورسعيدية… إلخ.

أما اللكنة فإنها تشير إلى طريقة النطق وإخراج الحروف والأصوات بغض النظر عن اللغة التى تتحدثها، لكن جرت العادة على تعلقها بلغة أجنبية غير لغتك الأم. طبعًا أنت لا تحتاج لمثال هنا؛ إذ إن الكثير منا يعانون من ذلك عندما يشرعون في الحديث بالإنجليزية.

هنا تبدأ أم المشاكل المتعلقة بتعلم اللغات لدينا.. أنت قد تجيد لغة ما قراءةً وكتابة، بل تميز المسموع منها، لكن حينما تهم بالكلام ينعقد لسانك.. وإن سرت الكلمات وجرى لسانك فإن لكنةً واضحة في حديثك يستطيع كلُ من يسمعك أن يعرف من أي بلدٍ جئت، بل في أي أنحائها نشأت.. شيء عجيب!
وأبرز مثال على ذلك الهنود، فأنت تستطيع أن تجزم أن ذاك المتحدث هنديٌ وإن لم تره.. بل هو قد نشأ في مومباي، وترعرع فيها حتي صارت لغته الإنجليزية على هذا الوضع الذي تشهده.

لكن ما الضير إن كنت تُسمع فتُفهم؟ حتى وإن ظهرت جليةً لكنتك في الحديث؟ لا سيما إن كنت تجيد القواعد فلا تخطئ، وتجري العبارات فلا تنقطع على شفتيك!
الأمر يشبه ما يحدث عند المدققين اللغويين.. تشعر دائمًا أن وسواسًا قهريًا يدفعهم إلى محاولة إتقان كل شيء.. القواعد النحوية، الإملائية، علامات الترقيم … كل شيء!

صديقيّ اتفقا ولا تتنازعا

لا أخفيك سرًا أن لي صديقين يتنازعان كثيرًا في ذلك.. الأول يرى أنه لا أهمية لإخفاء لكنتك، ولاتباع نفس نهج الأمريكيين في إدغام الكلمات وتخفيفها.. طالما أن كل من يسمعك يستطيع فهمك، ويصل إليه المراد من حديثك. الثاني يصر على أنه طالما قررت أن تتحدث بلغة فلتنطق بكلماتها ومفرداتها، بل ومصطلحاتها كما ينطقها المتحدثون الأصليون بها.
والحقيقة أننى أقف بينهما على حد سواء.. فأرى أن الأولوية الأهم لمتعلم اللغة هي أن تكون قادرًا على إيصال ما تريد دون أن تُثير في نفس السامع حيرةً أو إرباكًا، أو أن يحتمل كلامك أكثر من تأويل. بعد ذلك ليس رفاهيةً أن تجيد النطق باللغة كما يتحدث أهلها، بل هو أساسى وضروري؛ لأنه ليس مفيدًا على أية حال توقفُك عند ما تعلمت، كما أنك ربما تضطر في يوم أن تخالط واحدًا من هؤلاء المستخدمين للّغة فلا تبعث في نفسه توجسًا ولا قلقا من حديثك.. هو أيضًا لا يريد إضاعة وقته في تخمين من أين أتيت!

اللغة العامية قادمة

دعنا ننتقل إلى موضوع آخر ليس أقلَّ أهميةً، وهو طغيان العامية في كثير من اللغات على الفصحى، وهو بلا شك أمر مؤرق لعلماء اللغة وباحثيها.. البعض منهم يرى أنه ظاهرة صحية، إذ إنه يعني تعددًا وتنوعًا في اللغة وإثراءً لمفرداتها، لكنه في الوقت ذاته مشروط بأن تكون العامية فرعًا من الفصحى، وليست بديلًا عنها، بمعنى أنه لا يجوز أن تحل العامية محل الفصحى في الكتابات وفي التأريخ وفي المنتديات… إلخ؛ لأن ذلك يعمل على اندثار اللغة الأصلية. هذا هو حال اللغة اللاتينية الأم كما تعلمون.
البعض الآخر – على النقيض من ذلك – يدعو إلى ضرورة أن يُولي العامّة اهتمامًا أكثر باللغة الفصحى ونشرها ليس فقط في المكاتبات والمراسلات، بل في الأحاديث اليومية.. هم في ذلك يخافون أشد الخوف من أن يأتى يوم تغيب فيه مفردات اللغة، ويستبدل بها الجميع لغة أخرى هي أشلاء وفتات للغة الأصلية.
وربما قد سمعتم عن جهاد المحافظين قديمًا في سبيل إحياء اللغة الفصحى، منهم الدكتور طه حسين – رحمه الله – الذي تندر يومًا قائلًا: «لا أخشى على اللغة العربية الفصحى إلا من أزجال بيرم التونسي»، وهو في ذلك يحذر من أن يسود الشعر العاميّ لبيرم التونسي وقتها فيطغى على الذوق العام.

كيف الحل إذًا؟

وإذا كان الكثير من الشباب الآن يدّعي أنه لا سبيل للوصول إلى عقولهم وتفهمهم إلا بالخلط بين الفصحى والعامية في الكتابة، فلماذا لقيَت كتابات الدكتور أحمد خالد توفيق – رحمه الله – كل هذا الرواج والشيوع؟ ولماذا اتخذ هذه المكانة السامية في قلوب الشباب وغيرهم واستطاع أن يفهم ويُفهم؟

لا مانع بطبيعة الحال من استخدام العامية في الكتابة، بالإضافة إلى الفصحى، لكن على قدر ما تقتضيه الحاجة، لا كما يفعل كثيرٌ من الكُتّاب الشباب الآن حينما يستعينون ببعض عبارات الفصحى وسط بحر من العامية مُغرقٍ ومائه أُجاجٌ.

إن ما دفعنى لكتابة هذا المقال ما أحسسته في أداء الممثل المصري خالد النبوي في مسلسل «ممالك النار» من استثقالٍ للنطق بالفصحى، وميوعةٍ ملحوظة في مخارج الألفاظ وسط رصانةٍ وقوةٍ لأقرانه من سوريا أو لبنان، على أنه يحسن التمثيل والتقمص.

وأخيرًا فإن كنت حريصًا على إخفاء لكنتك وإتقان لغة أخرى – وهذا أمر محمود طبعًا – فلا تنسَ أيضا نصيب لغتك الأم من حرصك وتفانيك، وأنقل هنا ما ذكرته الكاتبة هدى النمر في مقال لها: «إن من يستهين بلغته الأصيلة أو يستصعبها أو يُنزلها منزلة أدنى مما ينبغي لها، لا ينتظر أبدًا أن ينحني الآخرون لحضارته وهويته احترامًا، أو يُولوه اهتمامًا أو يقلدوه وسامًا». وفي طرائف العربية ما يُروى من «أن رجلًا حسن الهيئة، فخم الثياب، وقف على باب أحد النحويين يسأله، فلَحَن وتكسر في الكلام، فقال له العالِم: يا هذا! إما أن تلبس على قدر كلامك، وإما أن تتكلم على قدر لباسك!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد