في أعوامنا الأخيرة القليلة, ومع الانفتاح وسرعة الاتصال وانهيار المسافات, أصبح حديث الهُوية حديثًا مألوفًا يتردد بين الفينة والأخرى ليُذكرنا بمن نحن، يُذكرنا بالأصل ويدفعنا دفعًا نحو الماضي، ومن هنا تبدأ إشكالية أزلية كيف لنا أن نُحافظ على الماضي ونتطلع للمستقبل؟ كيف يمكن لنا أن نجد مستقبلنا فى ماضٍ سحيق؟

 

مفهوم الهُوية

أولًا وقبل بدء الحديث عن الهُوية وعلاقتها بالماضي, وتأثيرها على الحاضر, لابد من معرفة المفهوم اللغوي لها، فتحديد المفاهيم يضبط الحديث ويفتح الآفاق, خاصةً إذا كنا بصدد الحديث عن مفاهيم العلوم الإنسانية الهُلامية الواسعة.

يُعرف المعجم الوسيط الهُوية على أنها (حقيقة الشيء أو الشخص التي تُميزه عن غيره)، ويقول الجرجاني عنها أنها (الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على  الشجرة)، ويذهب فولتير فى معجم المفاهيم الفلسفية إلى تعريفها بأنها (ميزة ما هو متماثل, سواء تعلق الأمر بعلاقة الاستمرارية التي يقيمها الفرد مع ذاته أو من جهة العلاقات التي يُقيمها مع الوقائع) .

وتدور بقية تعريفاتها بين الاستمرارية والثبات، الخاص والعام، الجوهر والإطار، وتحاول أن تُؤصل لعلاقات الأفراد والتشابه بينهم, مع مراعاة تميزهم عن بعضهم البعض، إجماليًا يمكن الحديث عن الهوية على أنها أنت العامة التي تتشاركها مع غيرك، نتشارك جوهرها وخصائصها ولكن بانعكاسات مختلفة داخل كل منا.

 

مُقومات الهُوية

الهُوية فى مجموعها ما هي إلا نتاج مجموعة من المقومات, أبرزها اللغة والدين والعرق  والموطن والتاريخ والثقافة والواقع المتعايش، ويختلف تأثير كل عنصر منهم وأولويته باختلاف الأفراد والجماعات، فلا يلزم أحد أن يكون دينه أو عرقه هو المحدد الأول لهُويته، ولايستطيع أحد أن يُنكر أن للأوضاع الاقتصادية والتعلمية والسياسية دورٌ بارز ومُتقدم فى تحديد هويتنا، فكلما زاد تقدم دولة زاد معها تمسك أفرادها بهويتهم واعتزازهم بما هم عليه.

 

أزمة الهُوية

 فى كل مرة يبدأ فيها الحديث عن التقدم والتساؤل, لم نحن متخلفون، يفرض حديث الهُوية نفسه بقوة, وتُشكل الهوية العربية أزمة، هل يفرض عليّ مراكبة الركب أن أطرح لغتي وعرقي وديني وأرضي وأنساق وراء الحضارات الأخرى، ألا أستطيع أن أُشكل حضارة كتلك التي شيدها الأجداد مع احتفاظي بهويتي, أم أن الركب الحضاري لن يسمح بذلك, وعلينا الانصياع والانسياق؟

كل تلك الأسئلة وغيرها تجعلنا نقف في منطقة رُمادية, لا هي قادرة على ترك ماضيها وراءها, ولا هي قادرة على التعاطي مع مُعطيات الحاضر، فبالنظر إلى الهُوية على أنها الماضي فقط -أنتَ المُشكلة مُسبقًا التي لا تقبل التبديل ولا التأويل-، تقف الهوية عائقا فى طريق تقديمنا, ويتم تعريفها على أنها هوية نكوصية تأخذ الماضي وتتوقف عنده، وبالنظر إليها على أنها الحاضر –أنت المستقبل–  سنطرح جزأنا الأكبر أرضًا ونسُقط فى بئر من انعدام الهوية وعدم إدراك الذات, لذا أصبح لزامًا علينا أن نحدد من نحن, ونعرف جذورنا ونتعاطى مع الواقع على أنه جزء منا لا دخيل علينا، فالحاضر والنظر إلى المستقبل, يُسهمان فى تحديد هويتنا إسهام الماضي.

 

ويبقى دائمًا السؤال الأكثر طرحًا, لم نحن شغوفون بمعرفة هويتنا ودائمو التساؤل عن ماهيتها ومحاولة تحديدها تحديدًا واضحًا جليًا؟

حسنًا بمعرفة هويتنا وتحديد من نحن ولم نحن هنا؟ ومعرفة موقعنا على الخريطة الحضارية, يسهُل تحديد ما نحن بحاجة إليه لنكون الأقوى، والأكثر تقدمًا، معرفة الهوية تقلل من تغربنا, وتجعلنا أكثر إدراكًا لما هو منا, وما هو دخيل, وتطويع الماضي ليخدم الحاضر, والوصول لرؤية أكثر وضوحًا عن المستقبل, وتحديد وجهة القطار ومواكبة الركب الحاضر, بما يتلائم وثقافتنا وتاريخنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهوية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد