ثورة نوفمبر عبء الجزائر الثقيل

الجزائريون ولعدة جمعات متوالية، تجاوز تعدادهم العشرين مليون في الساحات والشوارع، عبر كامل مدن الجزائر، وتجاوزت مطالبهم إسقاط الرئيس، إلى تغيير النظام، تغييرًا جذريًا. ومع ذلك يصر الخطاب الإعلامي والرسمي على وصف كل هذا الزخم غير المسبوق في تاريخ البلد بالحراك الشعبي، والخطاب الشعبي نفسه محتاط جدًا في وصف انتفاضته بالثورة.

التخوف من الانتقال الرمزي على المستوى اللغوي من الحراك إلى الثورة، لابد أنه يرتد إلى سببين، الأول وهو الأقرب، يتعلق بتمسك الجزائريين بأن ما بحدث عندهم لا علاقة له بالرببع العربي الذي تمت إدانته إدانة واسعة من طرفهم، واعتبروه مؤامرة غربية ضد أوطان العرب، وربطوه، أو بالاحرى تم ربطه لديهم، ببرنار ليفي، ومخطط الشرق الأوسط الجديد، وإرادة تفتيت العالم العربي، ووقوف إسرائيل وأمريكا وفرنسا وراء ذلك كله. هذا وجه اول للتخوف، غير أن الوجه الخفي والأعمق، أقرب لأن يكون تخوفًا لاشعوريًا، يكتنفه نوع من التأنيب الذاتي، أن يكون للجزائر ثورة أخرى غير ثورة نوفمبر 1954، فكأن الجزائريين يستنكفون أن يتخطوا ثورة أجدادهم، بعدما تم رفع جيل الثورة في صورة شهدائها خاصة إلى سماء متسامية، لا تدانيها سماء.

الواقع أن السلطة وأعلامها في الجزائر، يخدمها جدًا هذا التخوف، وعملت وتعمل بكل السبل على تكريسه، من خلال وصف الأحداث الجارية منذ شهرين تقريبا، بالحراك الشعبي، وهذا ليقينها، أن السماح باعتبارها ثورة سيهز مباشرة عرش ثورة نوفمبر، التي تمثل المرتكز الأيديولوجي والسياسي للنظام الحاكم في الجزائر اليوم.

ومن خلال هذه القناعة، تناور السلطة، المتمثلة أساسا في الجيش، منذ البداية عبر أطروحة تطهير الجيش، التي تصور القايد صالح كمصلح ومنقذ للجزائر من عصابة، تزعم نظرية التطهير أنها استولت على الجزائر بعد الاستقلال وتنكرت لبيان أول نوفمبر، منذ صياغتها لوثيقة مؤتمر الصومام عامين بعد اندلاع ثورة نوفمبر. وبالتالي فكل انتفاضة أو معارضة لمسار السلطة، لا يمكن له أن يهدف في أقصى أهدافه سوى لتصحيح الانحرافات التي وقعت عن مبادئ نوفمبر، ولا شيء أكثر من ذلك، أن تصحيحًا داخل نفس النظام، من طرف نفس النظام.

تحاصر هذه الأطروحة الوعي الجزائري في إشكاليات لا يعرف عنها جيل اليوم أي شيء، ومع أن الأجيال السابقة ليست معنية بها كثيرًا، فالنظام وحده من تعيش أجنحته هذا الصراع القديم بين السياسي والعسكري والصراع اللغوي بين المعرب والمفرنس، بينما أغلبية الشعب الجزائري، خاصة جيل ما بعد التسعينات، جيل ثورة تكنولوجيات الاتصال، ليس له أدنى ارتباط أو علاقة بهذه التجاذبات والتدافعات التي تعود إلى أكثر من 60 سنة، ولكنها ما تزال حاضرة في الخطاب السياسي الجزائري، لا لشيء، سوى لأن من يحكمون اليوم أنفسهم يعود وجودهم إلى أكثر من 60 سنة، ولهذا فهم لا يفهمون الجزائر إلا من خلال نظرتهم الأولى القديمة جدًا للجزائر.

الشباب اليوم وكثيرون مندهشون من رفع شعارات نوفمبرية باديسية لا صومامية ولا باريسية، وكأن الجزائر لم تعش إلا سنتين أو ثلاثة في عمرها، بين 1954 و1956، ولا يحق لها أن تعيش إلا لتدفع ثمن صراع قد يعيش أكثر مما ستعيشه الجزائر نفسها.

بدون أحداث ما اسميه بالقطيعة «البيوتاريخية»، مع جيل نوفمبر كسلطة ومؤسسات، وبيان نوفمبر كمرجعية تاريخية وحيدة للنظام، لا يمكن للجزائريين أن يخلعوا أي معنى على مطلبهم وحلمهم في التغيير الجذري للنظام، لأن النظام الحاكم اليوم ما هو إلا نتيجة حتمية وطبيعية لثورة نوفمبر وأدبياتها، فالجيش ونظامه كان سابقًا لظهور الدولة الجزائرية المستقلة، وبالتالي فهو ما يزال يرى نفسه وصيًا وصاحب حق مطلق في حكمها وتحديد وتصويب مساراتها واختياراتها، وله الحق الحصري في تقدير مصلحتها ومصلحة شعبها.

إن القطيعة البيوتاريخية تعني بشكل دقيق، الرفض الصريح والواضح لمواصلة جيل نوفمبر سلطة ومعارضة ممارسة السياسة والوجود كمؤسسات حزبية أو مجتمعية في الحقل السياسي، وأيضًا التوقف عن اعتبار بيان نوفمبر أو وثيقة الصومام، وثائق مرجعية صالحة لبناء تصورات عن الجزائر المعاصرة، فثورة ال22 من فبراير 2019، كثورة مدنية، ساحتها الأساسية المدن، عكس ثورة نوفمبر التي كانت الأرياف ميدانها الأساسي، لها من المقومات ما يحتم على نخبها أن تصوغ لها بنائها الفكري الذي يعبر عن طموح الشعب الجزائري للعيش في كنف دولة مدنية للحقوق والحريات التي تصونها القوانين والمؤسسات، على قاعدة مفهوم المواطنة عوض مفهوم الوطنية الذي تأسست عليه دولة نوفمبر ونظامها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد