لعلك تتساءل عن أسباب وضع الصين تحت المجهر مؤخرًا ولفتها لأنظار القاصي والداني، لكن لنفهم ذلك فعلينا أولًا فهم الدور الرئيسي الذي تلعبه الصين في مجال التعليم وحجم الاستثمار في التعليم ومستواه في الصين وكيف يتم تحديد مستحقي المنح الصينية عن غيرهم؟ وما الذي يجعل الأجانب سواءً كانوا أوروبيين أو عربًا يرغبون في العيش والعمل في الصين؟ خاصة في الآونة الأخيرة نظرًا لاستفحال قوة جذب الصين للدارسين وزيادة عدد العمالة الأجنبية رغم تعداد السكان الهائل.

أولًا: الدراسة

أعلنت الصين في الثامن من يونيو (حزيران) لعام 2018 عن تخصيص ميزانية تفوق 3 مليارات دولار أمريكي لإنفاقها على تعليم الطلاب الأجانب فقط داخل البلاد، بزيادةٍ قدرها 168% عن العام الماضي.

كما أظهرت تقارير ميزانية التعليم المفصلة، والصادر من وزارة التربية والتعليم الصينية عن قيام الدولة برفع مخصصاتها المالية لتعليم الطلاب الدوليين إلى 3.32 مليار يوان هذا العام بزيادةٍ قدرها 460 مليون يوان عن العام الماضي. فيما يجعل الصين في المرتبة الأولى للدول الآسيوية المستقطبة للأجانب وذلك بسبب زيادة تعداد الطلاب الأجانب في الصين بـ10% خلال العامين الماضيين فقط.

كما يؤمن الصينيين شعبًا وحكومة بأن هذا من شأنه تعزيز قوة الصين الناعهة في العالم وهو ما سيؤتي ثماره على المدى الطويل. فالأجانب وعندما يعودون لبلادهم بعد الدراسة في الصين يشعرون باختلاف يشمل كل نواحي الحياة التي كانوا عليها قبل زيارة الصين، فيصبحون وبدون أي وعي من أنفسهم مصدر إلهام للآخرين لزيارة الصين أو الاستثمار فيها أو تعلم اللغة الصينية أو حتى مصادقة بعض الصينيين. مما يساعد الطلبة الأجانب على إنشاء وتوطيد العلاقات بين بلادهم وبين الصين، فتجربتك في الصين تعد من أهم التجارب التي ستحظى بها في حياتك نظرًا لصعوبة اللغة في البداية فلا يجيدها إلا المجتهدون دون التفات للعناء والمشقة. ونظرًا لاختلاف الشعب الصيني عن كل من عرفتهم أو ستعرفهم لاحقًا فهم لا يفكرون إلا في العمل والاستمتاع بالحياة، فهم وبكل حق من الشعوب المجتهدة التي تعرف قيمة الوقت لذلك وصلوا لما هم عليه الآن في مدة لا تتجاوز الـ60 عامًا.

ففي العام الماضي احتضنت الصين 489200 طالبًا أجنبيًّا من 204 دولة مختلفة حول العالم. حصل من بين هؤلاء الطلاب 11.98% على المنح الدراسية المختلفة من الحكومة الصينية. أما ما تبقى منهم وعددهم أكثر من 430 ألف طالب وهو ما يمثل نحو 90% من العدد الإجمالي فقد سجلوا في برامج الدراسة المدفوعة. ولاستيعاب تلك الأعداد الهائلة توفر الصين عدد 289 جامعة مختلفة لقبول طلبات الطلاب الأجانب في مختلف التخصصات، من علوم وهندسة وزراعة وطب واقتصاد ودراسات قانونية وإدارة وفنون وتاريخ وأدب وفلسفة وغيرها على جميع المستويات وفقًا لمجلس المنح الصينية المعروف بـCSC.

تغطي المنحة الدراسية الكاملة كافة مصاريف التعليم والبحث والإدارة ونفقات أنشطة الطلاب، ويمكن أن تصل لـ66700 ألف يوان لطلبة البكالريوس أو ما يعادلها، 79200 ألف يوان لطلبة الماجستير، 99800 ألف يوان لطلبة الدكتوراة في العام الواحد. كما يتم تحديد مقدار المنحة وفقًا للتخصص، حيث يشمل ثلاثة أصناف:

١– تخصص الفلسفة والاقتصاد والدراسات القانونية والتعليم والآداب باستثناء (الفنون الجميلة) والتاريخ والإدارة.
٢– العلوم والهندسة والزراعة.

٣– الفنون الجميلة والطب. ويحصل طلاب الصنف الثالث على منح أعلى من غيرهم.
كما تخضع عملية اختيار مستحقي المنح لعملية تدقيق وفحص صارمة، ليتم وقف المنح عن غير المؤهلين لها أو الذين لم يبلغوا المعايير اللازمة للحصول عليها. ولا ننسى أن هناك عدد 40800 طالبًا قد تابعوا الدراسة في درجات الماجستير والدكتوراة لعام 2017 وهو ما يمثل زيادة بمقدار 20% عن عام 2016.

 

ثانيًا: العمل والاستثمار

يُفضل الأجانب من مختلف دول العالم حاليًّا العمل في الصين لعدة أسباب من بينها:

١– يعامل الصينين الأجانب بشكل مختلف فهم يقدرون الأجانب جدًا ويحبون مصاحبتهم والخروج معهم والتباهي بهم في مختلف المحافل من أعراس وأعياد ومناسبات. فيشعر الأجنبي بذاته التي تُقدر من قبل السكان المحليين وهو ما ييسر عليه الكثير في نواحي التعايش.

٢– ارتفاع الأجور: وهو ما يصل أحيانًا لـ30 ألف يوان شهريًا للعاملين في قطاع الهندسة وتصنيع السيارات. أما العاملين في قطاع التعليم فتصل مرتباتهم إلى 20 ألف يوان شهريًا كدوام كامل. أما الدوام الجزئي فيصرف 250 يوان تقريبًا للساعة وهو ما يعادل 39 دولارًا أمريكيًا. هذا في مجال العمل غير المملوك.

أما في مجال الاستثمار والعمل المملوك كالشركات والمصانع، فهو أيضًا عمل مربح وإجراءاته سهلة جدًا ولا تمثل عبئًا على الأجانب في التخليص والتجارة إن كان لديهم من يساعدهم في الصين. كما يضمن التجار ترويج بضائعهم نظرًا لاتساع رقعة السوق وتقدير الصينيين للسلع المستوردة. كما يفضل التجار الأجانب الاستيراد من الصين نظرًا لقلة تكلفة التصنيع وسهولة التصدير وضمان دوام التعاون لما يتوفر لدى الصينيين من ثقة في المعاملة ومصداقية في الشراكة.

 

٣–سهولة الحياة في الصين: بمعنى أنك ستجد كل ما تحتاجه من سلع وعروض تجارية وأعمال وماركات وغيرها. كما أنه يمكنك أن تصل لكل شيء وأي مكان عبر الهاتف وذلك لما تتمتع به الصين من تنوع في المجال التكنولوجي والذي يوفر على المستهلك والمشترك عناء البحث والتوصيل. كما أنه يمكنك الدفع في كل مكان عبر الهاتف وبرامج المحادثة ولا تحتاج لحمل حافظة نقودك معك أو حتى البطاقات البنكية مما يسهل على الناس التحرك والسفر والتعامل بأريحية تامة. كما أن الأسعار تتوافق تمامًا مع مرتبات العاملين وهذا ما يتيح للمواطنين العيش في استقرار. ولا ننسى كم الأمان الذي تتمتع به الصين، وذلك لأن كل شوارع المدن والطرق السريعة مغطاة بشبكة هائلة من الكاميرات وآلات الرصد التي تعمل على مدار 24 ساعة، فلا سبيل لخرق القانون أو تجاوز القواعد. سهولة السفر والتنقل داخل الصين وعلى الرغم من مساحتها الهائلة إلا أنه تتوفر على شبكة مواصلات منتوعة من قطارات وطائرات وسيارات وسفن تصل إلى أي مكان وتعمل يوميا بمواعيد منتظمة فلا تأخير ولا تعطيل للمصالح العامة أو الشخصية.

 

أتمنى أن أكون قد أوضحت لحضراتكم بعض أسباب وجود الصين تحت أنظار العالم مؤخرًا.

ولفهم المزيد عن النظام التعليمي في الصين يمكنكم زيارة http://en.moe.gov.cn

رزقنا الله وإياكم نعيمًا دائمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد