أعدّ ابني برنامجه الانتخابي، وكتبه على لافتة كبيرة وطبع منه عشرين نسخة، ثم بدأ يستمع إلى مقاطع تتحدث عن طرق وأساليب إقناع الجمهور، وطلب مني أن أشتري له عصيرًا كي يوزعه على أصدقاءه.

في اليوم التالي نشرت إدارة المدرسة صور الحملة الانتخابية لجميع صفوف المدرسة بدءًا من الصف الرابع وحتى العاشر وهم يتنافسون على عضوية مجلس الطلاب.

كان هذا أحد الأنشطة التي تتيح للفتيان أن يتعلموا عمليًا من خلال تجربتهم الديمقراطية الأولى، والتي من المتأمل أن يمارسوها مستقبلًا على نطاق أوسع بعد أن يكونوا قد هضموها جيدًا.

على الرغم من التقدم الذي أحرزه الغرب – على الصعيد الداخلي – نتيجة اعتماده مبدأ الديمقراطية إلا أن هذه الفكرة لم تلقَ ترحيبًا لدى قطاع واسع في الشارع العربي والإسلامي نظرًا لاستحضار شبح الاستعمار بصورة مستمرة، لا سيما وقد بررت أميركا غزوها الدموي للعراق بأنها جاءت لتنشر فيه الديمقراطية!

على إثر ذلك تقوم الأنظمة القمعية باستغلال هذا الخوف، وتؤيدها بذلك جوقة من الكتاب ورجال الدين يعزفون على وتر ” المؤامرة”، وسرعان ما يسلطون أقلامهم وألسنتهم ضد أية محاولة تشجع على المشاركة في الحكم بدعوى  الارتباط بالخارج أو محاولة تفريق الأمة.

ضمن هذه الأجواء ستبقى أجزاء واسعة في المنطقة العربية والإسلامية تعاني من ويلات الاستبداد بالرأي الواحد، بدءًا من قاعدة الهرم وحتى قمته، مع العلم أن البديل موجود، ولكنه غير مفعّل.

فالشورى هي أحد أهم المفاهيم التي جاء بها القرآن الكريم وطرحها للناس كي ينظموا حياتهم الاجتماعية والسياسية، وبالطبع لم يحدد القرآن الكريم آلية الشورى؛ لأن مثل هذه المفاهيم الأساسية – كالعدل والإحسان – تختلف آلية تطبيقها بحسب الزمان والمكان والأشخاص، إلا أن المعنى يبقى واحدًا.

يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ ( سورة الشورى: 38) الواضح من الآية الكريمة أن أمر الناس ينبغي أن يصدر عنهم وليس عن واحدٍ منهم ولذا استعمل القرآن مفردة (بينهم)، وذلك يكون بعد تشاور وتبادل لوجهات النظر وليس بتجاهل الآراء، وحتى عندما تحدث القرآن الكريم عن طاعة ولاة الأمر لم يستخدم صيغة المفرد (ولي الأمر) بل جاءت الآية بلفظ الجمع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وكأن القرآن يحدثنا عن مجلس حكم يضم الأشخاص الذين يتولون أمر الناس بصورة تشبه البرلمان الذي تعارف عليه الناس اليوم.

إن أمر الناس لا يمكن أن يكون بيد شخص واحد يتحكم فيهم كما يشاء دون مشاركتهم أو حتى اطلاعهم على ما يريد القيام به، ويؤكد هذا المعنى أنه في حال حصل خلاف خلال عملية صناعة القرار فإن على ولاة الأمر ( المجلس) أن يحتكموا إلى الله ورسوله، وهذا ما ذكرته الآية مباشرة عقب موضوع طاعة أولي الأمر: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ ( سورة النساء: 59).

ولو عدنا إلى آية الشورى سنجد أن قوله تعالى: ﴿ … وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ … ﴾ مرتبط مع إقامة الصلاة والإنفاق، فالآية الكريمة جعلت هذه التصرفات الثلاثة صفات الأشخاص الذين يستجيبون لربهم، وفي هذا دلالة واضحة على أهمية الشورى، والتي للأسف لا يتحدث عنها الخطباء إلا نادرًا، ولا يتم فسح المجال لتطبيقها في حياة المسلم اليومية إلا ضمن التيارات الإسلامية التي تحمل مشروعًا سياسيًا، في حين أن الشورى سلوك تنظيمي إداري يمكن أن يؤثر بصورة إيجابية بالغة لو طبقناه في كل شؤون حياتنا، شأنه في ذلك شأن الإحسان والصدق والأمانة…

نحن اليوم بحاجة ماسة لنتعلم ونمارس ثقافة المشاركة وتقبل الآخر، فالشارع العربي والإسلامي غني جدًا بمفردات الإقصاء، ولدينا قدرة وخبرة عملية واسعة في مجال تهميش الآخر وعدم تقبل الاختلاف، وبالتالي نحن بحاجة إلى قنوات تتيح لنا البدء بمشوار الشورى وتطويره تمامًا كما بدأت الديمقراطية مشوارها حتى وصلت إلى شكلها الحالي[1].

صحيح أن الشورى لا تنطبق تمامًا على  الديمقراطية، إلا أنها لا تتعارض معها، فمن حيث الهدف يبدو لي أن كلا الإجراءين يضبطان موضوع التفرد بالرأي، ويدعوان إلى مبدأ مشاركة الجميع، أما الاختلاف فيكمن في أن مفهوم الديمقراطية الشائع لا يعترف بأية مرجعية بينما تبقى الشورى مرتبطة حتمًا بما جاء في القرآن الكريم بصورة أساسية؛ بصورة أخرى يمكن أن نقول بأن الديمقراطية هي شورى بلا سقف أما الشورى فهي ديمقراطية مع وجود سقف.

لست أسعى من خلال هذا الكلام إلى التأطير لنظرية حكم إسلامية، بقدر ما أسعى إلى تعزيز طريق يستند إلى مفهوم قرآني يمكّن المسلمين من إدارة شؤونهم بصورة أفضل، بغض النظر عن الاسم، فسواء قبلنا باسم الديمقراطية، أم رفضناه وتمسّكنا بالشورى، ليس أمامنا بدٌّ من الاقتراب من بعضنا أكثر لعلنا نخرج يومًا ما من هذه الحالة التي نحن فيها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد