يلقب علم الاقتصاد بإمبراطور العلوم الاجتماعية، ويسميه توماس كارليل العلم الكئيب، وبين من يمدحه ومن يذمه يشق علم الاقتصاد طريقه لا يلوي على شيء ما دام من يذمه ومن يمدحه يتفقان على وصفه بأنه علم، لكن دعنا نراجع هذه الدعوى أيضًا، فهل يستحق علم الاقتصاد وصف العلم؟ وهل تنطبق عليه خصائص المعرفة العلمية؟

يقتضي الحكم على أي دعوى مقارنة حقيقتها في الواقع مع المثال الذي تدعيه، وبالمقارنة ومطابقة الأوصاف نستطيع أن نصل إلى تقييم لهذه الدعوى في حدود دقة المقارنة التي نجريها. وبالرجوع إلى موضوعنا وهو مدى علمية علم الاقتصاد ينبغي أن نرجع إلى فلسفة العلم لنعرف المواصفات والضوابط التي يشترطها العلماء في المعرفة العلمية.

هناك توجهات مختلفة في فلسفة العلم حول شروط العبارة العلمية وكيف نميز بين العبارة التي هي علم والعبارة التي ليست علمًا. أقدم التوجهات في تمييز المعرفة العلمية هو التوجه الاستقرائي الذي يمثل نظرة رجل الشارع إلى المعرفة العلمية، حيث نحكم على عبارة ما بأنها عبارة علمية إذا أمكن التحقق منها تجريبيًّا عن طريق الملاحظة والفحص واستقراء الاطراد والبحث عن العلاقات السببية بين المتغيرات. وهناك توجه كارل بوبر لتمييز العبارة العلمية عن غيرها من العبارات الخبرية أو الإنشائية، عن طريق معيار أطلق عليه اسم «القابلية للتكذيب»، وحسب هذا المعيار تكون العبارة علمية إذا أمكن صياغتها في صيغة خبرية يمكن تكذيبها، فمثلًا عبارة «ستمطر السماء غدًا» هي عبارة علمية لأنها قابلة للتكذيب برصدها في اليوم الموالي، فإذا أمطرت قلنا إنها عبارة علمية صحيحة، وإذا لم تمطر قلنا إنها عبارة علمية جرى تفنيدها. أما عبارة من قبيل «ما أجمل السماء» فهي ليست عبارة علمية لأنها غير قابلة للتفنيد حسب مبدأ بوبر، أما العبارات الرياضية والمنطقية فهي عبارات بدهية (apriori) متقدمة على التجربة، لأنها لا تحتكم إلى الواقع بل إلى العقل المجرد. يطلق فلاسفة العلم الوضعيون على العبارات غير العلمية تسمية العبارات الميتافيزيقة، وهي العبارات التي لا تخضع لا لمنهج البداهة، ولا لمنهج التجريب، أي إنها عبارات تقع ضمن نطاق شوكة هيوم (Hume’s Fork) الذي يقول: «عند مراجعة رفوف المكتبات، مقتنعين بهذه المبادئ، ما الفوضى التي سنحدثها؟ إذا تناولنا أي كتاب عن اللاهوت والميتافيزيقا المدرسية مثلًا – وتساءلنا هل يحتوي على تفكير تجريدي يتعلق بالكمية أو الأرقام؟ لا. هل يحتوي على تفكير تجريبي يتعلق بالحقيقة والأشياء؟ لا. إذن، أضرم النار في الكتاب؛ فهو فارغ إلا من السفسطة والتضليل». بهذه الطريقة وضعت الفلسفة التحليلية الأنجلوساكسونية معايير العلم بأقلام مفكريها، فدعونا الآن نحاكم علم الاقتصاد محاكمة أنجلوساكسونية لنرى هل يحتوي على قوانين أو عبارات يمكن وصفها بأنها علمية، طبعًا لن أفعل ذلك هنا في هذا المقال، لكن سأسوق لكم النتيجة التي توصل إليها الاقتصاديون حين عرضوا علمهم على معايير المدرسة الوضعية؛ إذ وجدوا أن الكثير من العبارات والنظريات الاقتصادية لا تخضع لمعايير العبارات العلمية التي حددها فلاسفة العلم الوضعيون، وحتى قانون العرض والطلب الذي يتباهي به الاقتصاديون والذي بنيت عليه منحنيات العرض والطلب ومنحنيات السواء ونظرية التوازن العام (General equilibrium theory) وغيرها من مسائل النظرية الاقتصادية، اختلف في تصنيفه وطرح مارك بلوج سؤالًا مشهورًا هو: هل قانون الطلب هو قانون؟ ثم قال: «ليس من السهل أن نقرر ما إذا كان قانون الطلب هو قانون حتمية deterministic law أو قانون إحصائي statistical law أو قانون سببية causal law.

هنا نتساءل إذن، لماذا لا توجد الكثير من العبارات العلمية في علم الاقتصاد؟ ولماذا يحرص الاقتصاديون على عباءة العلم؟ إن أقصر جواب يمكن توفيره هنا هو أن علم الاقتصاد فقير في عبارات العلم لأن المجال الذي يدرسه ليس مجالًا علميًّا بل هو إلى الأخلاق أقرب منه إلى العلم، وللكشف عن بعض ذلك دعونا نراجع أكثر المفردات تداولًا عند الاقتصاديين «العقلانية»، «الرشد»، «الاختيار»، «المنفعة»، «عدالة السوق»، «القيمة» فكل هذه المفردات تقع في صلب علم الاقتصاد وهي ألفاظ مستلة من معجم الأخلاق، والعبارات التي تنشأ عنها هي عبارات معيارية وليست علمية وفق مقاييس الوضعيين أنفسهم. ثم لنأخذ مفردات أخرى مثل «العرض»، «الطلب»، «الإنتاج»، «التوزيع»، «الاستهلاك»، «الإنفاق»، «الادخار»، «التداول» إلخ… فكل هذه المصطلحات هي ألفاظ ترجع إلى الفعل الإنساني أي إلى الإرادة الإنسانية، والإرادة أمر ذاتي لا يمكن دراسته موضوعيًّا، ولا يمكن دراسته حتى لو استعرنا المنهج السلوكي الحيواني الذي يستعمله علماء النفس لأن الحيوان لا يبيع ولا يشتري ولا يذهب إلى السوق. للخروج من هذه الورطة اخترع علم الاقتصاد حيلة «علموية»، وهي تحويل العبارات المعيارية إلى عبارات «تشبه» لغة العلم وإلباسها عباءة مزينة بالمعادلات والمنحنيات الرياضية، حتى يجري تحصينها من هجوم فلاسفة العلم، وبهذه الطريقة أصبح علم الاقتصاد علمًا زائفًا، وزاده زيفًا هروبه إلى الأمام حين أبحر بعيدًا في منهج البداهة الرياضي، حتى أصبح الاقتصاديون أنفسهم لا يفهم بعضهم بعضًا، إذ يروى عن الاقتصادي البريطاني الشهير كينز أنه زار صديقه الاقتصادي تنبرغن في ثلاثينيات القرن العشرين فوجده يكتب كراريس في الاقتصاد بلغة مغرقة في المعادلات والرموز، فلما اطلع على ما يكتب قال له: إن ما تكتبه يا صديقي تنبرغن هو أقرب للخيمياء والسحر الأسود منه إلى علم الاقتصاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد