‏وأنت تقلب كتب التاريخ العراقي منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا، لا تجد فترة من الزمن تمر، إلا وقد حصلت هنالك نزاعات وحروب على أرضه، ومحاولة للسيطرة عليه، وبسط نفوذ المعتدين والمحتلين فيه.

العراق الذي تعاقبت عليه حضارات كثيرة، وأقيمت على أرضه إمبراطوريات عديدة، كان وما زال محل أطماع كل القوى على الأرض، إضافة إلى مكانته الاستراتيجية كما سنبينها هنا، فهو من أغنى بلدان العالم، قديمًا وحديثًا، بخاصة بعد أن جرى اكتشاف البترول فيه، في بداية القرن العشرين أثناء ثورة البترول، إضافة إلى الثروات الأخرى مثل الغاز والفوسفات، وغيرها كثير، تبين أن هناك ثروات كثيرة وكبيرة داخل باطن الأرض لم تُستخرج إلى الآن.

ولكن قديمًا وقبل اكتشاف هذه الثروات تعد مكانة العراق مكانة استراتيجية مهمة لمن يريد أن يسيطر على العالم، لذا سعت كل القوى على الأرض لأن تحتله، وتسيطر على أرضه، بعد أن اكتشفوا مكانته الاستراتيجية، فقد حكى العلماء الأوائل عن الأقاليم، وقسموا الأرض إلى سبعة أقاليم، وحكوا عن مكانة الإقليم الرابع وفضله بين هذه الأقاليم.

‏وقد اتفق أهل هذا الفن على أن الإقليم الرابع يقع وسط هذه الأقاليم فهو أفضلها وأعدلها، والعراق يقع وسط هذا الإقليم، فهو، أفضله، وأعدله، بمعنى أنه يقع من بين الأقاليم السبعة في أفضلها، وفي أفضل هذه الأقاليم وهو الرابع، فالعراق يقع في أفضله وأعدله، مكانة استراتيجية، وموقع جعله محل أطماع العالم بأسره.

وكان قدماء الملوك تقول: الملك الأعظم مركز لدائرة ملكه، بُعده من محيطها بُعد واحد، ومنه يستمد التدبير، ولذلك يقال إن الملك الأعظم ينبغي أن يكون منزله «الواسطة» من هذا الإقليم وهو الرابع.

‏وهنا نجد تفسيرات لمكانة ‫العراق بين بلدان العالم مما يجعله هدفًا، ومحل أطماع العالم قديمًا وحديثًا، وهو من أهم أسباب تكالب الأمم عليه.

والعراق أشرف المواضع التي اختارتها ملوك الأمم من النماردة، وهم ملوك السريانيين الذين تسميهم العرب بالنبط، ثم ملوك الفرس على طبقاتهم من الفرس الأولى إلى الساسانية وهم الأكاسرة.

ولقد أدرك الخليفة الراشد أبو بكر الصديق أهمية العراق الاستراتيجية في بناء الدولة الإسلامية، فعجل بإرسال القائد الفذ خالد بن الوليد لفتح العراق في السنة الثانية عشرة للهجرة، وضمه إلى الدولة الإسلامية في بداية انتشارها وتوسعها، وبعد أن انتهى من حروب الردة مباشرة، واستقرار الوضع الداخلي للدولة، باشر من فوره في فتح العراق للأهمية المذكورة.

لقد فهم الصديق، رضي الله عنه، أهمية العراق من الناحية العسكرية، بخاصة مدينة الحيرة – وهي ناحية تقع في جنوب العراق في قضاء أبو صخير من محافظة النجف حاليًا- والتي كانت «عقد مواصلات» في نقطة تتصل بها الطرق من جميع الاتجاهات؛ فالحيرة كانت قلب العراق، وأقرب منطقة، مهمة إلى المدائن، عاصمة الإمبراطورية الفارسية، التي كانت تدرك هذه القيمة الاستراتيجية للحيرة، لذا كانت ترسل القوات باتجاهها دائمًا لاستعادتها؛ لأن المسيطر على الحيرة يؤمن سيطرته على المنطقة الكائنة غربي الفرات بأجمعها.

وهكذا حاول الجميع السيطرة على العراق قديمًا، وهكذا يتبين لنا لماذا حديثًا تتكالب عليه الأمم للسيطرة عليه، وإضعاف أهله، وتقليل مكانتهم وسط العالم.

اليوم أصبحت مشكلة ‫العراق مركبة، ومعقدة إلى حد يصعب التنبؤ بنتائجها، أو رسم خطوط عريضة للخروج من أزمته، بسبب تداخل الأطراف الكثيرة فيه، بأهداف ومطامع مختلفة.

‏العراق قديمًا وحديثًا هو قلب الصراع الشرقي الغربي، وساحته الساخنة، يتصارع فيها كثير من الخصوم، وعليها تجري تصفية جميع الحسابات، وهذا كان واضحًا جليًّا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، والصراع الذي حصل على أراضيه بين كثير من أجهزة المخابرات العالمية.

كثير من القوى في العالم تعتقد أن لها حق تاريخي وديني في العراق:

أولهم ‏‫إسرائيل التي تعتقد دينيًّا، حسب ما ورد ذلك في كتبهم كما يزعمون، أن لها في ‫العراق وأرضه حقًّا تاريخيًّا ودينيًّا، وأن لها حلمًا كبيرًا وقديمًا لإقامة دولتها المزعومة من الفرات إلى النيل، وقد سخرت كل إمكانياتها واستخدمت نفوذها حول العالم لتحقيق هذا الحلم، وتعد إسرائيل عرابة لكل المؤامرات التي تحاك ضد العراق والمنطقة.

‏‫إيران هي أيضًا ترى أن لها في ‫العراق وأرضه حقًّا دينيًّا وإرثًا تاريخيًّا، بعد أن حكمته قبل الإسلام لعقود طويلة حتى كانت المدائن عاصمة لإمبراطورية فارس قديمًا، وتسير أيضًا في المسار الصهيوني نفسه، وتسخر كافة إمكانياتها ونفوذها في العالم لتجعل بغداد عاصمة لفارس مرة أخرى كما كانت سابقًا على حسب زعمهم، كما صرح بذلك كبار مسؤوليهم.

‏‫أمريكا تتناغم مع مطامع ‫إسرائيل، و‫إيران في ‫العراق، ولها هي أيضًا مطامع كثيرة فيه، وترى أنه مصدر القوة العربية، وقلب المنطقة النابض هو العراق، ولا بد من تبديد هذه القوة، وتحطيم هذا العنفوان العراقي، إذا ما أرادت أن تبقي نفوذها في المنطقة، إضافة إلى سيطرتها على منابع النفط فيه، وأمريكا لن تخرج عن أهداف إسرائيل في العراق، بخاصة إذا عرفنا أن اللوبي اليهودي له ثقله داخل الإدارة الأمريكية.

وهنا يتبين لماذا العراق دائمًا في قلب الصراع العالمي، ولماذا دائمًا هو محل أطماع الأمم والدول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد