استمر النظام السياسي منذ الاستقلال سنة 1951م معتمدًا على القبيلة وتوظيفها سياسيًا، وكذلك استمر نظام القذافي في استعمال ورقة «القبلية» والتي ازدهرت طوال فترة حكمه التي امتدت أكثر من 41 عامًا من خلال المؤتمرات الشعبية، واللجان الشعبية، ومن خلال عمليات التصعيد والاختيار الشعبي للقيادات وانتشرت في ليبيا عملية «الكولسة»، وهو ما يعني أن الفائز بالمنصب لن يكون من خارج القبيلة.

مثلت القبيلة الحزب بقياداتها الشعبية الاجتماعية وتحالفاتها في الماضي رؤية القائد، وفقًا لكل مرحلة كما يريدها للمنظومة السياسية في ليبيا، هذه القيادات الشعبية الاجتماعية والمتمثلة بطريقة مباشرة وغير مباشرة في المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية، كانت هشة وهجينة، ولا يمكن الوثوق في ولائها، كون هذه القيادات المفترضة، لم تكن تمثل في الحقيقة هذه المكونات القبلية والاجتماعية التي تدعي تمثيلها، ينظر إليها في الغالب على أنها مجموعات من المتزلفين والمبطلين والمتطفلين، كما كان القذافي يدرك أن من غير الممكن استمرار هذه المجموعات في دورها وإعادة إنتاجها واستمرارها والمحافظة على ولائها إلا عبر طريقين لا غير بتوزيع المنافع عليها تارةً واستعمال العنف الرمزي والفعلي تارةً أخرى.

هذه القيادات الشعبية المفترضة هي من كان يقوم بترشيح جل الوزراء وترشيح جل المسؤولين للمناصب الرسمية في الدولة ومؤسساتها، وكذلك على كل المستويات، هذه الترشيحات لم يكن الأساس فيها الكفاءة أو معايير القدرة والأهلية، بقدر ما كانت عملية تبادل للمنافع، فقد كانت هذه المجموعات لديها بضاعة الولاء والسيطرة على مكوناتها الاجتماعية ومراقبة المعارضات ومواجهتها وغير ذلك من السياسات التي تهدف إلى تطويق القبلية وتحشيدها وتوظيفها لخدمة النظام في سياساته وتوجهاته داخليًا وخارجيًّا، وتنظيم كرنفالات إظهار التأييد والمحبة والولاء لـ[القائد] في مهرجانات كرتونية في فعاليات غنائية ومهرجانات شعرية تتغنى بالقائد بتوفير الحشود من طلبة المدارس والموظفين والمعلمين بالترغيب والترهيب، وتوفير الحشود عندما يقرر القائد الأوحد توجيه كلمة للجماهير وهي من الأمور التي اعتاد عليها الليبيون وفهموها جيدًا!

كانت هذه القيادات الشعبية الاجتماعية تقوم بمساومة رمزية مع الزعيم القائد نظير هذه البضاعة وبطريقة مبهمة وتحصيل الثمن عبر العطايا وتقسيم المناصب والمشاريع الزراعية والصناعية، وتعتمد الحصة التي تقبضها كل منطقة على مدى حذق ومهارة هذه القيادات الاجتماعية وشطارتها في المساومة واقتناع القيادة بأهمية بضاعتها، الأمر الذي أدى إلى سيطرة مجموعات جغرافية لا تمثل أكثر من 30% من سكان ليبيا على أكثر من مجموع 70% من المناصب في الدولة الليبية، كلٌّ حسب قوة قبيلته أو درجة قربه أو ولائه للنظام الحاكم، الأمر الذي يمثل امتدادًا لسيطرة هذه المناطق إبان الحكم الملكي، والطريف أن هذه المناطق ما زالت تسيطر بعد انتفاضة فبراير وكما كانت على المناصب رغم قلة عددها كما ذكرنا، في ظل استمرار نظام المحاصصة السياسي القائم منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا.

هذه المساومات وعمليات تحصيل الثمن، هي ليست في متناول شريحة واسعة، بل تحتكرها مجموعات ضيقة جدًا، الأمر الذي جعل الغالبية من المحرومين يشكلون الجمر الذي يتقد تحت الرماد، مبدين خضوعًا ظاهريًا وإذعانًا مفروضًا عبر المنظومة الحديدية الحاكمة.

لم تكن هذه المنظومة تمتلك الشرعية عبر التراضي والقبول، بل عبر أذرعها السياسية السالفة الذكر والتي تستأثر بالمكاسب والمغانم والاعتمادات البنكية وقروض مصرف التنمية ومشاريع الاستثمار في أفريقيا ومشاريع التحول إلى الإنتاج الوهمية، والتي كانت في مجملها عملية نهب للمال العام عبر تقديم فواتير والحصول على قروض هي حقيقة ديون معدومة وتمثل الرشا ليست متاحة لعامة الشعب.

هذه التركيبة السياسية أدت إلى تفشي الفساد واستفحاله بشدة، باعتبار أن الوصول إلى منصب في دولة الجماهير، يتم عبر تزكية هذه المكونات الاجتماعية الشعبية، الأمر الذي يفرض على كل من يتولى منصبًا أن يفتح خزائن المؤسسة أو الجهة التي يرأسها لهذه المجموعات ليصبح هذا المسؤول عبارة عن ملعقة بيد هذه المكونات الشعبية الاجتماعية، وبالتالي تصبح الأولوية لتبؤ أي منصب، هي قابلية من هذا المرشح للانصياع ومدى تفانيه في تقديم الرشا لهذه المجموعات التي بيدها أن تبقيه في منصبه أو تطيح به في أي لحظة.

كما تم تجذير فكرة المحاصصة وعلى كل المستويات من المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية في القرى والمدن وصولًا إلى مؤتمر الشعب العام [البرلمان المفترض] واللجنة الشعبية العامة [الحكومة]، وما زال هذا النظام في المحاصصة مستمرًا، بل الأدهى من ذلك، أن تستمر نفس المنظومة في العمل بعد انتفاضة 17 فبراير، والتصويت على كل وزير على حدة بدلًا من منح الثقة للحكومة حزمة واحدة، واستمرار عمل هذه القيادات الشعبية الاجتماعية في تزكية المرشحين للمناصب في الدولة كما كان معمولًا به سابقًا، ولم يتم إلى يومنا هذا السماح لرئيس الحكومة باختيار حكومته وطاقمه الذي سيعمل معه، الأمر الذي سبب ارتباكًا وما يزال في عمل الحكومات المتكاملة، واستحالة استبدال أو معاقبة أي وزير يقصر في مهامه، كون هذا الوزير حصل على الشرعية والمنصب من الجهة التشريعية [البرلمان]، رغم أن رئيس الحكومة الأسبق د. شكري غانم، سبق وأن أوضح هذه النقطة ومدى تأثيرها في سير الدولة وتجذير الفساد والمحاصصة، بدلًا من قواعد الكفاءة والمعرفة، ومدى إعاقتها للتقدم والازدهار والمضي إلى الامام.

وبهذا تستمر نفس المشكلات التي تعيق قيام دولة المؤسسات في ليبيا منذ الاستقلال ويستمر مسلسل الفساد والمحسوبية وضياع ثروات ضخمة من أموال الشعب تتكدس في أيدي مجموعات من الحذاق، بدون أي وجه حق، لعدم وجود طريقة أو ميكانيكية للعمل الخاص تتساوى بها الفرص على الإطلاق، فضلًا عن انعدام وجود أي نوع من التنافسية، كما هو الحال في جل بلاد العالم، الأمر فقط يعتمد على الفساد والعمولات، ولا علاقة للنجاح الاقتصادي بالقدرات الذهنية أو العلمية أو المعرفة الصناعية أو التجارية هذا البلد، والدليل على هذا أن كل الرأسماليين في ليبيا من الأسماء المعروفة، جمعوا ثرواتهم عبر دوائر الفساد، كما أن هذه الأسماء عبارة عن مجموعة سماسرة وطفيليات تعيش على الاعتمادات ومن ضرع الدولة الليبية التي تمثل البقرة الحلوب لهذه المجموعات، والدليل الأوضح على أن هؤلاء الطفيليات لا علاقه لهم بعالم الأعمال، لن تجد واحدًا منهم له مشاريع خارج ليبيا، في دول تتميز بأسواق مفتوحة تحكمها المنافسة والمعرفة وتكافؤ الفرص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد