أميل إلى القول بصواب مساواة المرأة بأخيها في الميراث في أيامنا، فحصولها على نصف ما يحصل عليه شقيقها من الميراث هو مشروط ومرتهن حسب منطق الإسلام العادل بألا تُجبَر بأي شكل من الأشكال، سواء تحت وطأة الحاجة أو الضغط النفسي أو بسيف الحياء، على إنفاق قرش واحد من مالها الخاص. الإسلام العادل بألا تُجبَر بأي شكل من الأشكال، سواء تحت وطأة الحاجة أو الضغط النفسي أو بسيف الحياء، على إنفاق قرش واحد من مالها الخاص.

ولكن بما أن الكثير من النساء في أيامنا يجدن أنفسهن مضطرات إلى العمل والإنفاق لإعالة أنفسهن وأسرهن، ويتملص من ينبغي أن ينفقوا عليهن من مسؤولياتهم، لسبب أو لآخر، فإن من الظلم إعطاء المرأة نصف ما يعطى لأخيها الرجل، إن لم يكن ينفق عليها، هو أو والدها أو زوجها، أو الدولة، في حالة عجز هؤلاء عن الإنفاق عليها، مع تجاهل ما تحمله من أعباء، قد تزيد عن أعباء كثير من الرجال، الذين لا يستبعد أن يكون بعضهم من أقربائها الذين تجب نفقتها عليهم!

فإذا لم تستطيعوا تطبيق الشريعة كاملة، فلا تطبقوا منها ملامح منتقاة ومجتزأة بخبث يضمن تحقيق مصالحكم، وبصورة تجعلها تظهر بمظهر التخلف والقصور والظلم، كما يحدث بالفعل عندما تُحرم المرأة من نيل نصيب عادل من الميراث، يتلاءم مع أعبائها ومسؤولياتها الجسيمة على أرض الواقع.

وبدلًا عن أن تستقووا على النساء يا معاشر الرجال، وتسرقوا منهن حقوقهن التي قد يحتجنها أمس الحاجة لضمان حياة كريمة لهن ولأطفالهن، باسم الإسلام والشريعة، استرجلوا إذا كنتم تحرصون حقًا على تطبيق الشريعة، وواجهوا أولئك الذين يمنعون تطبيقها كاملة، أو يسمحوا بتطبيق أجزاء مشرذمة منها، بما يفقدها تكاملها وشمولها، ويشوهها ويجعلها تبدو جائرة ومختلة!

لقد وجدت الشريعة الإسلامية كنظام أو منظومة كاملة شاملة متكاملة متساندة، لتغطي وتنظم مختلف جوانب حياة الإنسان، ولتضمن له حياة سعيدة وكريمة وعادلة ومتوازنة. فإن لم تطبق بكليتها وشموليتها وإحاطتها بكل أبعاد الحياة، وتم اجتزاء وانتقاء ملامح منها دون غيرها، تحولت حتمًا إلى منظومة فاشلة وظالمة ومتناقضة، وأصبحت تتعارض مع المبادئ والأهداف والمقاصد التي وجدت من أجل تحقيقها.

وهذا ما حرص الاستعمار والأنظمة العلمانية التابعة له  كل الحرص على تحقيقه، ويبدو أنهم نجحوا في ذلك إلى حد بعيد. فسماح تلك الأنظمة بتطبيق بعض أجزاء الشريعة، دون غيرها، وعدم توفير الظروف المناسبة التي تكفل سلامة التطبيق، جعل عملية التطبيق تبدو عملية تعسفية عشوائية تفضي إلى كثير من الظلم والتناقض. والهدف أن يستقر في وعي ولا وعي كثير من الناس، أن الشريعة تتحيز ضدهم وتهدر حقوقهم ولا تُعنى بمعاناتهم ومشكلاتهم. وهذا ما نسمعه يتردد، ولو على استحياء وبصوت خفيض، على ألسنة الكثير من النساء اليوم، اللاتي يشعرن بالقهر والغبن، بسبب التطبيق المشوه والمتعسف لبعض أحكام الشريعة من جانب الرجال الأشرار الذين يستغلون الشريعة أشبع استغلال!

وبدون وجود نظام حكم إسلامي حقيقي يحرص على تطبيق الشريعة، بصورة جدية وكاملة، فاقرأ عليها السلام، وثق بأن الهدف من تطبيق شذرات منها من جانب الأنظمة العلمانية المبغضة للإسلام هو تقويضها وتهشيمها وإظهارها بمظهر التناقض والظلم.

لقد جاء في القرآن الكريم قول الله تعالى: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون. وهذه الآية الكريمة تنطبق علينا حتما في ما تسمى بالبلدان الإسلامية. فنحن عمليًا نسكت عن تحليل الربا والخمر والدعارة والقمار والربح الفاحش والاحتكار والاستغلال والرشوة والفساد وقتل المسلمين، وعن موالاة أعداء الإسلام، وعن كثير من الخطايا والكبائر والمنكرات والموبقات، التي تُخرج المصرّ على ارتكابها من الملة وتنذره بالخلود في جهنم. ثم نأتي في المقابل لنتشبث ببعض التشريعات، في الأغلب حفاظا على مصالحنا، كتلك المتعلقة بمنح المرأة نصف ما يأخذه شقيقها الرجل، حتى وإن كانت المرأة هي التي تنفق عليه!

في مصر وحدها كمثال سريع، تشير الإحصاءات إلى النساء يقمن بإعالة أكثر من 28% من الأسر المصرية، أي أن النساء ينفقن على ملايين البشر. ومن المؤكد طبعا أن بعض النساء يعملن للتسلية أو لنيل المساواة مع الرجل أو لتحقيق ذواتهن كما يقال، إلا أن أغلبيتهن يعملن مضطرات كي يبقين على قيد الحياة هن وأفراد عائلاتهن، وكي يحظين بالحد الأدنى من الحياة الكريمة. فمعظمهن يشتغلن في ظروف في منتهى القسوة والبشاعة، ويتعرضن إلى كثير من أشكال الاستغلال والقهر والتحرش، ألا أنهن لا يستطعن ترك العمل وإلا جعن وتشردن بالمعنى الحرفي للكلمة، وذلك في ظل عدم تطبيق الشريعة بشكل كامل وسليم، وتهرب من تجب نفقتهن عليهم من مسؤولياتهم.

فملايين الأزواج والآباء والإخوة يستغلون النساء اليوم، وبدلًا عن أن ينفقوا عليهن ويضمنوا لهن حياة كريمة كما يأمرهم الشرع الذي ضيعوه، لا يتذكرون من ذلك الشرع إلا أنه يعطيهم الحق في الزواج بأربع، وأنه يضمن للأخ الحصول على ضعف ما تأخذه أخته من ميراث، حتى وإن كان يعيش على قفاها!

إن كلامي هذا لا يأتي للدعوة للتوقف عن تطبيق الشريعة بالطبع، بل العكس تمامًا هو الصحيح، إنه يأتي للتنبيه إلى خطورة تطبيقها بصورة عشوائية ناقصة، وللتحذير من الموقف المتناقض الذي يتبناه كثير منا دون كثير من التفكير، على قاعدة (حافظين مش فاهمين)، وللدعوة إلى قلب الدنيا فوق رؤوس الأنظمة الفاسدة المجرمة المعادية للإسلام، للوصول إلى تحكيم الشريعة وتطبيقها بشكل كامل وسوي. ففي حالة الشريعة الإسلامية، لا يصلح استخدام المقولة: ما لا يدرك كله لا يترك جله، فما لم تستطع ضمان تطبيقها من ألفها لا يائها، لا تسمح على الأقل بتشويهها.

ومع جزمنا بأن الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، إلا أن تطبيقها المشوه والانتقائي والمنقوص الذي نراه في أيامنا، على قاعدة: ولا تقربوا الصلاة، دون إكمال الآية، يفقدها تمامًا صلاحيتها ويجعلها تجافي ما جاءت من أجل تحقيقه من مبادئ عادلة وسامية.

لقد أوقف عمر ابن الخطاب رضي الله عنه العمل بحكم قطع اليد في سنة من السنوات، لأنه لم يستطع تأمين الحياة الكريمة للناس وتوفير لقمة الخبز لهم. لقد فعل ذلك لأنه كان يعي أن عدم توافر الظروف المناسبة لتطبيق الشريعة يجعل من العبث والتجني والتعسف تطبيقها.

فإذا أردت أن تعطي المرأة نصف ما يأخذه شقيقها، فأنفق عليها وعلى أطفالها واضمن لها حياة كريمة دون أن تجد نفسها مضطرة إلى النزول لسوق العمل!

وقبل أن تدعو إلى قطع يد السارق، وفر له دخلًا محترمًا أو عملًا يقيه ذل الحاجة والسؤال، واقطع أيدي كبار اللصوص الذين تتستر عليهم وتقتسم السرقات معهم!

وقبل أن تعطي لنفسك الحق في الزواج بأربع، متذرعاً بأن الشريعة قد أباحت لك ذلك، أثبت على الأقل التزامك بالحد الأدنى من أحكام وأخلاقيات دينك على المستوى الشخصي، ولا تبع وتشتري في بنات الناس وتظلمهن وتبدلهن وقتما تشاء لإرضاء نزواتك، متسلحا بحقك الشرعي الذي تسيء استخدامه!

إن حرصنا على الشريعة ينبغي أن يترجم على شكل رفض تشويه الشريعة بأي شكل من الأشكال، لا أن نصر على تطبيق نتف مشتتة منها، دون أن نفكر ما الذي يمكن أن يترتب عن ذلك من تناقضات ومظالم.

أعلم أن الأوغاد من كارهي الشريعة لا يريدون وجه الله أو مصلحة الإسلام والشريعة والناس عندما يحاولون إلغاء العمل بالأحكام الشرعية، وقد يستغلون مثل هذا الكلام على نحو خبيث وسيئ. ولكن ذلك لا يعني أن نترك لهم الحرية في العبث بالشريعة وتمزيقها والتعامل معها بانتقائية تدمرها. فواجب المسلم هو أن يسعى بكل طاقته إلى أن تكون كلمة الله هي العليا، أي أن يتم تطبيق شريعة الله على الأرض، كاملة شاملة غير منقوصة، لا أن يبدي الحرقة الساذجة على تطبيق بعض أجزائها، ويتناسى أنه يسكت عن تضييع وتجاهل معظم أحكامها منذ زمن بعيد. وكأنه يحاول الضحك على الله وعلى نفسه وعلى الناس، ربما لإقناع نفسه بأنه ما يزال حريصا على دينه، أو أنه يعيش فعلا في دولة إسلامية، دون أن يدرك بأن سكوته، بل دعمه الضمني للتطبيق الجزئي المفرق للشريعة، يعطي الشرعية الدينية للأنظمة المجرمة التي تحارب الإسلام، ويوفر لها المسوغ للزعم بأنها تطبق الإسلام، والإسلام منها براء!

ومع أن الدين ليس بالرأي حتمًا، أي أنه لا يحق لأحد العبث به وبأحكامه، إلا أن مثل هذا الشعار لا يصلح للرفع، إلا إذا كان الدين مطبقًا بالفعل بشكل كامل وصحيح. أما إذا كان الدين قد خضع للعبث وانتهى الأمر، وأصبح يطبق حسب الهوى وعلى المزاج وبالقطعة والمفرق وفق ما أملاه فقهاء السلاطين الأوغاد، فإن من واجب المصلحين الحريصين على دينهم أن ينبهوا الناس إلى خطورة التطبيق الانتقائي المغرض لبعض الأحكام الشرعية دون أخرى.

ومع أنه قد يكون من المهم إلى حد ما التمييز بين المفاهيم، من قبيل مبادئ الإسلام، وأحكامه، والحقوق الشرعية، والأحكام الشرعية …الخ، إلا أن هذا التمييز يظل مهما وحسب على المستوى التنظيري المجرد، أما المسلم العادي فهو غير معني في حياته اليومية بكل تلك المفاهيم وبالفروقات فيما بينها. فإذا شعر بأنها تعاني عند تطبيقها على الأرض من التضارب، أو أنها لا تضمن تحقيق العدل له في حياته، أصبحت في واقع الأمر مجرد لغو لا طائل منه، وأصبح من يصرون على التشدق بها مجرد متعالمين يتنطعون ويتلاعبون بالكلمات والمصطلحات، لصرف الأنظار عن  جبنهم وعجزهم عن مواجهة الأنظمة المنحرفة لفرض تطبيق شريعة الإسلام.

إن الشريعة الإسلامية ليست مجرد نصوص صماء نطبقها بحرفية مادية عمياء متزمتة، إلا فقدت روحها وانحرفت عن مقاصدها، كما حدث لشريعة موسى عليه السلام عندما طبقها اليهود الأراذل. وإنما هي رحمة أرسلها الله للبشر كي تصلح لهم أمور دنياهم وأخراهم. فلا يحملنكم الحماس لتطبيقها، بالصورة المجزأة المعوقة التي تطبق بها اليوم، على عدم الالتفات إلى ما قد يترتب عن ذلك من ظلم وتعسف وتشويه لرسالة الإسلام.

د. خالد سليمان ولكن بما أن الكثير من النساء في أيامنا يجدن أنفسهن مضطرات إلى العمل والإنفاق لإعالة أنفسهن وأسرهن، ويتملص من ينبغي أن ينفقوا عليهن من مسؤولياتهم، لسبب أو لآخر، فإن من الظلم إعطاء المرأة نصف ما يعطى لأخيها الرجل، إن لم يكن ينفق عليها، هو أو والدها أو زوجها أو الدولة، في حالة عجز هؤلاء عن الإنفاق عليها، مع تجاهل ما تحمله من أعباء، قد تزيد عن أعباء كثير من الرجال، الذين لا يستبعد أن يكون بعضهم من أقربائها الذين تجب نفقتها عليهم!

فإذا لم تستطيعوا تطبيق الشريعة كاملة، فلا تطبقوا منها ملامح منتقاة ومجتزأة بخبث يضمن تحقيق مصالحكم، وبصورة تجعلها تظهر بمظهر التخلف والقصور والظلم، كما يحدث بالفعل عندما تُحرم المرأة من نيل نصيب عادل من الميراث، يتلاءم مع أعبائها ومسؤولياتها الجسيمة على أرض الواقع.

وبدلًا عن أن تستقووا على النساء يا معاشر الرجال، وتسرقوا منهن حقوقهن التي قد يحتجنها أمس الحاجة لضمان حياة كريمة لهن ولأطفالهن، باسم الإسلام والشريعة، استرجلوا إذا كنتم تحرصون حقًا على تطبيق الشريعة، وواجهوا أولئك الأوغاد الذين يمنعون تطبيقها كاملة، أو يسمحون بتطبيق أجزاء مشرذمة منها، بما يفقدها تكاملها وشمولها، ويشوهها ويجعلها تبدو جائرة ومختلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مرأة, ميراث
عرض التعليقات