الوطن.. نظرتُ له منذ زمن، فقلتُ: الوطن هو ذلك المكان الذي عندما دَخلتُ المدرسة أول مرة كنتُ على يقين أنني سأخرج منها مُتعلّمةً، فبنيت طموحي على هذا الأساس، ظننتُ الوطن مثل أمي، أنا أدرس فقط والمصروف والتشجيع منها.

في الصّف الأول والثّاني وعندما كنت أقِفُ في الطابور الصباحي كان النشيد يتردد على مسامعنا، نقف باحترام وننظر للعلم، لا بل كنا نحدّق به، لا استطيع أن أقول إننا كنا نفعل هذا احترامًا، ولكن ما تُمليه علينا المعلمة نفعله، فقد كُنّا في سن صغير لا يعرفُ للمسؤولية معنى، تصرُخ المعلّمة على طلبةِ صفّها بأن يقوموا بالإنشاد، في البداية لم أكن أهتم كثيرًا أَأُنشد كلماته صحيحةً أم لا، وبالنّسبة لي وبتفكير طفوليٍّ طبعًا كان يُعجبني من النّشيد إيقاعه، ولم أهتم أيضًا بمعاني كلماته، كُنت أُنشد فقطًا خوفًا من العقاب، أمّا تلك الكلمات التي لم تلتقطها أذناي فقد استعضتُ بدلها كلمات تُشبهها، خوفًا على الإيقاع الذي أعجبني من الضَّياعِ.

في الصف الثالثِ، اختلف الوضعُ قليلًا عن سابٍقه، وضعوا لوحةً كبيرة على أحدِ جدران المدرسة في السّاحة المدرسية مكتوبٌ عليها كلمات النّشيد، فأصبحنا ملزمين بإنشاده دون أيّ خطأ. في الصف الرّابعِ كنتُ قد جمعتُ عددًا لا بأس به من كلمات اللغة العربية، تعلّمتها في حصص اللغة العربية من النّصوص والقصائد، فاستوعبت مُجملَهُ.. نعم النّشيد الوطنيّ يمدح المليك!

وفي الصفوف التي تتالت تغيّرت عناوين ومواضيع كتاب التّربية الوطنية، فانتقلنا من دراسة مصطلحات تكاد تكون شِبه يومية، كالتعريف بمن يكون العم والخال، أو التعريف ببعض المِهن وغيره، إلى مصطلحاتْ سميّتها في البدايةِ سياسية، مثل مفهوم الوطن والوطنية والكرامة وحقوق الإنسان والتعبير وحال البلاد… إلخ.

في الحقيقة ترسّخت فِكرة في ذهني، وهي أنَّ الوطن هو قائده، أما نحن فمجرد شعب! نتبع ما يقوله أسيادنا ونُسلمُ به.

الكُتب تقول: «زادت عدد المستشفيات في البلد، زاد عدد المدارس، قلّت البطالة، زادت النّزاهة…»، والخُلاصة أننا شعبٌ محظوظ، فنحن في دولة يشيع الأمن بها، نعم نحن نعيش في دولة تُحيطها دولٌ أنهكتها الحروب وراح ضحيّتها الآلاف.

في الصّف السّابع والثّامن تطوّر الكتاب، فخرج إلى موضوع الحقوق الإنسانية، حفظتها كلها، لكن ما زلتُ لا أراها، أهذا حِبرٌ على ورق، ألسنا أفعالٌ لا أقوال؟

في نهاية الصّف الثامن حصلت على جهاز «موبايل» لي، كان شيئًا رائعًا، سأدخل إلى عالم الشبكة العنكبوتية لأول مرة، ولهذا قمت بعمل حساب على «فيسبوك»، ثم حساب على «تويتر»، تركتُ ما تعلمتُه في كتاب التربية الوطنية، وبدأت رحلتي في البحث عن وطن، أصبح لدي فِكرٌ مستقلٌ في السياسة، مُشابهٌ جدًا وقريبٌ لمن تعلمتُه منهم.

أذكرُ مرةً من المرات في الصّف العاشر – في حصة التربية الوطنية – خرجتْ عن موضوع الدرسِ قليلًا، لتتناول حال الشّعب والحكومة، لم أركّز كثيرًا معها في ما تقوله، لكن اختتمت حديثها بجملة: «الحمدُ للّٰه على نعمة الأمن والأمان»، فقلتُ لها: «إذا بقينا نُردد الحمد لله على نعمة الأمن والأمان، ولم ننظر لجوانبَ أخرى في الحكومة، فسنضيع»، لكن بالطبع أصرّت: «الأمن والأمان أهم شيء في الدولة».

هل الوطن في عيونِ طفل يلعب الأمن والأمان؟ هل الوطن في عيون الأب الذي يعمل ليلَ نهار ليطعم عائلته هو الأمن والأمان؟ هل الوطن في عيون من تراكمت عليه الديون، فلجأ إلى السّرقة – وهذا ليس مبررًا للسرقة بالّطبع – هو الأمن والأمان؟

ماذا نقولُ في شعبٍ يرى أبسط حقوقه هبةً من الحاكم، تكرّم علينا فأعطانا إياها، الحقيقة أننا نحنُ في الأردن كمتسابقٍ لا يأبه لمن هم أمامه، بل يُبقي نظره على من هم خلفه، ينظر للدول التي وقع فيها الفساد ما وقع فقامت الحرب وراح الضحايا بالآلاف، فيقول الحمدُ للّٰه لا زال بعضُ المتسابقين خلفنا، إذًا فنحنُ بخير، لا ننظرُ لمن هم أمامنا، للشعوب التي تمتّعت بالأمن والأمان والتعليم وحق التعبير وحق السكن، وحق رغيف الخبز، ولم تُقِم أساساتها على «الواسطات»، والتي حاربت الفساد، فما إن نصل لخط النِّهاية ويكون ترتيبنا الثاني بعد الألف، نقول: الحمدُ للّٰه على نعمةِ الأمنِ والأمان!

أما الآن فأنا ما زلتُ أبحثُ عن وطن يأويني وأعيش داخله بكرامة، لستُ أُطالب أن يأخذني «لِحدودِ الشّمس ويرميني»، فقط أُطالب برغيفِ خبزٍ، أبحثُ عن وطنٍ أعيشُ به باطمئنان على مستقبلي وعلى مستقبل الوطن، فنحن حقًا.. «على وين الدّرب مودّينا»؟ إلى أين يا أردن؟

الحرية لمن (قال كلمته ومشى) فسُجن، والعار.. كل العار لمن رأى حال جارِه ينام على بطن فارغ فسكت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات