وقع طارئ جديد وتُغير مهم جدًا، وهي رغبة الولايات المتحدة الأمريكية لفضّ يديها من هموم المنطقة ومشاكلها، والانتقال لتطلعاتها الأخرى في شرق أسيا لمواجهة الخطر الصيني والروسي. انسحاب الحليف الأمريكي من منطقة الخليج بشكل تدريجي جعلت من دول الخليج للبحث عن حليف قوي تستندّ عليهِ لتعويض انسحاب حَليِفها الأمريكي. هناك خيارات لحلفاء دول الخليج من حيث تأثيرهم في الإقليم وهم تركيا، وباكستان، ومصر، وإسرائيل. باكستان دولة مهمة واستثمرت دول الخليج عشرات المليارات من الدولارات في باكستان. هناك ظروف باكستان الحالية ومشاكلها الداخلية والتوترعلى حدودها مع إيران، ولم تريد باكستان إثارة هذا التوترمع إيران؛ مما جعلت من باكستان أن تعتذر عن المشاركة في التحالف الذي سعت إليهِ السعودية لتشكيلهُ في اليمن. واكتفت بالتضامن السياسي مع التحالف.الدولة الثانية وهي تركيا، والتي تقف في الطرف المعادي للمعسكر الذي تقف فيه السعودية والإمارات. الدولة الثالثة مصر، وهي دولة صديقة للتحالف العربي، ولكن صديقة منكفئة على نفسهِا ولديها مشاكل داخلية وخارجية كثيرة منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) لعام 2011. في هذه المعادلة لم تتبق دولة قوية ومؤثرة في هذه المنطقة إلا إسرائيل.

هناك تطابق في المصالح. التحالف العربي يعتبر إيران عدوًا له وإسرائل كذلك. التحالف العربي ومن معها تستشعر جماعات الإسلام السياسي خطرًا قاتلًا، وإسرائيل منذ نشأتها تعتبر هذه الجماعات باختلاف مسمياتها عدوًا أساسيًا. والسبب الآخر أن السعودية والإمارات ترى أن تل أبيب هي قلب واشنطن، وإسرائيل دولة مهمة لدول الخليج لكي تتسع دائرة نفوذ دول الخليج لصناع القرار في الولايات المتحدة. إسرائيل لديها وصول أسرع وأكبر إلى صناع القرار وبتكلفة أقل، ولأن إسرائيل لديها قبول أكبر لدى صناع القرار ولدى الرأي العام الأمريكي على عكس دول الخليج التي لديها صلة ببعض صناع القرار وتستطيع إسرائيل مساعدتهم لحسم الكثير من القضايا. موانئ دبي عندما حاولت أن تأخذ صفقة مجموعة لموانئ أمريكية ورفضت السلطات الأمريكية آنذاك واعتبرته أمرًا سياديًا يمسّ أمن الولايات المتحدة الأمريكية. تدخلت إٍسرائيل وقامت شركة ZIM الإسرائيلية بدعم الترشّح لموانئ دبي، واعتبرت أحقية وأهلية الإمارات لأخذ هذه الصفقة. والصفقة لم تتم، ولكن إسرائيل سعت وحاولت لإتمام الصفقة.

وفي قضية خاشجي، حاولت إسرائيل في احتواء غضب الرأي العام الأمريكي وصناع القرار الموجهة ضد السعودية وتحدث نتنياهو في وقتها عن دور السعودية في المنطقة وأهميتها في محاولة لتهدئة الرأي العام. دول الخليج باتت مقتنعة أن إسرائيل دولة موجودة في المنطقة ومتقدمة جدًا ولديها تكنولوجيا ليست موجودة عند دول أخرى، وأهمها الصناعات العسكرية والمقصود هنا ليست الدبابات والمدرعات لأن هناك دولًا لديها هذه الصناعات مثل روسيا، ولكن إسرائيل متفوقة في الصناعات العسكرية المتعلقة بأجهزة الرصد والتجسس والتتبع، ولديها خبرة متمكنة منذ السبعينات وتستطيع دول الخليج الاستفادة من هذه الصناعات وتعتقد دول الخليج أنها في حاجة لهذه الصناعات.

وتشكلت قناعات لدى عدد من السياسين في دول التحالف العربي أن الأخطار التي واجهتهم منذ نشأتهم لم تأتي من إسرائيل، بل أتت من إيران ومن بعض جماعات الإسلام السياسي، وبلا شكّ أن لدى إسرائيل أطماع في الدول العربية، ولكن ترى دول الخليج أن هذهِ الأطماع ليس حاضرًا بقوة، وزادت مخاوف دول الخليج خاصة عندما عقدت إدارة أوباما اتفاقًا مع إيران في الملف النووي وعقدت اتفاقًا سياسيًا مع جماعة الإخوان المسلمين. فالاتفاق النووي مع إيران فسرتهُ دول الخليج أن هذا الاتفاق يَطلقّ يدّ إيران في المنطقة على حساب الدول العربية، والاتفاق السياسي مع الإخوان المسلمين أعطتها ضوءًا أخضر من إدارة أوباما للوصول للسلطة على حساب الأنظمة الموجودة في دول الخليج. بدأت الدول الخليجية عن بدائل لتأمين استقرارها في المنطقة وحماية أنظمتها ومنها الإنفاق بشكل كبير على التسلحّ، والبحث عن حلفاء آخرين استعدادًا للقرار الأمريكي للتخفف عن التزاماته تجاه حلفائه في المنطقة، وإسرائيل كانت تفكر بطريقة مشابهة، وليس من الغريب أن تسعى دول الخليج للتقارب مع إسرائيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد