كثيرًا نشاهد في «الدراما» العربية، من أفلام أو مسلسلات، بعض المشاهد، من موالد صوفية، أو الترويج للصلاة في مساجد الأضرحة والأولياء، (إذا فرضنا أنهم مدفونون فعلًا في هذه القبور). فلماذا الترويج؟ ولماذا التلميع؟ وهل نتركها تمر مرور الكرام، دون أن نفكر أو يخطر ببالنا أن هذا التلميع لهذا النوع من «التدين» مقصود، ومتعمد؟ ولمصلحة من؟

 

أين الخلل في المذهب الصوفي؟

الأول: الاعتقاد بأن الأولياء أو الصالحين (الأموات) داخل القبور يملكون النفع أو الضر، أو أنهم وسيلة للوصول إلى الله في إجابة الدعاء، وما إلي ذلك. وهذا الاعتقاد خطأ؛ لأنهم بذلك قد تشابهوا مع مشركي العرب الذين كانوا يقولون «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»،  وقد أكد الله تعالى، في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، أنه قريب مجيب لعباده، لا يحتاجون في دعائه إلى واسطة «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان…» (الآية 186 سورة البقرة). حتى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ نفسه، لا يملك الضر والنفع، إلا أن يشاء الله،  وذلك في حياته،  فكيف بعد مماته عليه الصلاة والسلام،  فكيف بمن هو دونه من الناس العاديين أو الصالحين.  وقد حذر ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحذيرًا شديدًا في مرضه الذي مات فيه، إذ يقول «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد] رواه البخاري ومسلم.

وأحيانًا يزين الشيطان هذا الفعل؛ فيتوهم البعض أن هذا الضريح سوف يذكرهم بالله، وعبادته، كلما نسوا، وهذا من خطوات الشيطان؛ فإن قوم نوح وقعوا في مثل ذلك «وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا» الآية،  فإن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء لأناس صالحين، فلما ماتوا بنوا لهم تماثيل؛ لكي يتذكروا عبادتهم، وحالهم مع الله،  حتى إذا مات القوم ونسخ العلم جاء قوم بعدهم، فعبدوهم من دون الله عز وجل،  فكان أول شرك وقع في الأرض، فأرسل الله نوحًا، «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب»  (البقرة 213).

الثاني: قول البعض إنهم يعبدون الله، لا خوفًا من عذابه، ولا طمعًا في رحمته وجنته، بل حبًا وعشقًا.

وذلك مخالف لما كان عليه الأنبياء والصالحين «إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا»،  رغبًا في جنته، ورهبًا من عذابه.

«تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا»، «ويرجون رحمته ويخافون عذابه».

وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام «اللهم إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل،  وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل» (أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان).

الثالث: اعتزال البعض للناس على طول الزمن، وهذا مخالف لهدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ  ويؤدي إلى الحرمان من الأجور العظيمة، من معاشرة المسلمين بالبر والصلة، وحسن الخلق، والمصافحة، وتشييع الجنائز، وعيادة المرضى، وغيرها.

عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال «خرجنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سرية من سراياه،  فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه،  وفيه شيء من ماء، ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلى عن الدنيا، ثم قال: لو أتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكرت ذلك له، فإن أذن لي فعلت، وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبي الله! إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء، والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم وأخلي من الدنيا، فقال نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إني لم أبعث باليهودية، ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفسي بيده، لغدوة أو روحة في سبيل الله  خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة» (مسند أحمد بن حنبل).

الرابع: مواصلة الصيام، أوترك الزواج، أو ترك بعض المأكولات والملبوسات تورعًا، وهذا أيضًا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يأكل اللحم أحيانًا، وكان يحب من الشاة الكتف، كما في قصة خيبر، وكان يحب العسل؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب الحلواء والعسل» (رواه البخاري).

وكان يحب الدباء (القرع أو الكوسة)، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال «إن خياطًا دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لطعام صنعه. قال أنس رضي الله عنه: فذهب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرب إليه خبزًا من شعير، ومرقًا فيه دباء وقديدًا، قال أنس: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي الصحفة، فلم أزل أحب الدباء من ذلك اليوم». (أخرجه البخاري).

لكن، أحيانًا كان يمر عليه الهلال تلو الهلال، ولا يوقد ببيت رسول الله نار، (كناية عن عدم وجود الطبيخ)، وربط على بطنه الحجر من الجوع؛ في حصار «الأحزاب» (الخندق)، فتأمل.

وأما اللباس، فقال الله تعالى «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلو واشربوا ولا تسرفوا»، فالأصل فيه الإباحة، إلا ما كان ثوب شهرة أو خيلاء، أو كان من شعائر الكفار، وما إلى ذلك.

روى البخاري عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألون عن عبادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما أخبروا، كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا، فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم: كذا وكذا! أما والله، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني.

الخامس: ذكر الله على طريقة لم يشرعها رسول الله، وقد حذر النبي ـ أيضًا ـ من الابتداع في العبادة، فقال «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي مردود على صاحبه، لا يؤجر. وأحيانًا يكون الذكر الصوفي مصحوبًا بالرقص والتمايل والتصفيق، وهم في ذلك شابهوا صلاة المشركين في الجاهلية؛ إذ قال الله عنهم «وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءا وتصدية»، والمكاء والتصدية: الصفير والتصفيق، كما ذكر علماء التفسير.

السادس: إهمال العلم والتفقه في الدين، ومعرفة الأحكام الشرعية، وقد ذكر الرب ـ تبارك وتعالى ـ العلم في موضع المدح والثناء، وحلى به أنبياءه وأصفياءه،  كما جعل الجهل عيبًا، يعاب وينتقص عليه؛ «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط» (آل عمران 18).

ومدح «طالوت»، وبين سبب اختياره، واصطفائه بين الناس؛ لأنه صاحب علم: «إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم» (البقرة 247).

وقد زين نبيه يوسف بالعلم؛ «ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا» (يوسف 22). وأما الجهل، فقد جاء ذمه في مواضع كثيرة، منها:

قوم موسى الذين عبدوا العجل: «قالوا يا موسي اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون» (الأعراف 138 ).

وقوم لوط الشواذ جنسيًا: «أءنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون» (النمل 55).

وحض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على العلم في مواضع كثيرة منها:

«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له طريقًا إلى الجنة» (رواه مسلم).

كما حذر ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أيام يقبض فيها العلم، فقال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء،  حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم،  فضلوا وأضلوا» (متفق عليه).

 

في التاريخ عبرة

«الطريقة التجانية».. واعترافات خطيرة

في 23  محرم 1350 هجري (1929م) نشرت صحيفة «لابريس ليبر»lapresse Lipre  وهي صحيفة فرنسية استعمارية يومية كبرى، تصدر في عاصمة الجزائر،  خطبة طويلة ألقاها الشيخ «سيدي محمد الكبير»، صاحب «السجادة الكبرى»، رئيس الطريقة الصوفية التجانية، بين يدي «الكولونيل سيكوني»، الفرنسي الذي ترأس بعثة من الضباط قامت بنزهة استطلاعية في الجنوب الجزائري، ومهدت الصحيفة للخطبة بكلمة جاء فيها:

«وبعدما طافت هذه البعثة العسكرية في مدينة (الأغواط)، سافرت إلى (عين ماضي)، المركز الرئيس للطريقة الصوفية الكبرى (التجانية)؛ ملبين دعوة رئيس هذه الطريقة المحترمة المبجلة (الشيخ سيدي محمد الكبير)، وبعدما تفرجوا على المدينة ـ يعني قرية عين ماضي ـ وعلى الزاوية، ذهبوا إلى القصر العظيم، الذي شيد بإيعاز من السيدة الفرنسية (مدام أوريلي التجاني) (إيم التجاني)، وفي ردهات هذا القصر الرائع أقيمت مأدبة فخمة فاخرة كبرى؛ لهؤلاء الضباط، ولنواب الحكومة العسكرية المحلية بالأغواط وعين ماضي،  وفي أثناء شرب الشاي قام حبيبنا (حسني سي أحمد بن الطالب)، وتلا باسم المرابط (سيدي محمد الكبير) صاحب السجادة التجانية الكبري خطبة عميقة، مستوعبة للخدمات الجليلة الصالحة، التي قامت بها الطائفة التجانية لفرنسا، وفي سبيل فرنسا؛ في توطيد الاستعمار الفرنسي، وفي تسهيل مهمة الاحتلال على الفرنسيين، وفي إشارات التعقل كانت تسديها هذه الطريقة لمريديها من الأحباب»!

ولكن المهم من الخطبة هو الجانب الأخير منها؛ لأنه يحتوي اعترافات خطيرة؛ قال الشيخ سيدي محمد الكبير صاحب السجادة الكبري «التجانية»، وهو خليفة الشيخ «أحمد التجاني الأكبر»، مؤسس هذه الطريقة، وهذا الخليفة يسيطر علي جميع أرواح الأحباب المريدين التجانيين في مشارق الأرض ومغاربها، يقول:

«إنه من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا ماديًا وأدبيًا وسياسيًا؛ ولهذا فإني أقول لا على سبيل المن والافتخار، ولكن علي سبيل الاحتساب والتشرف بالقيام بالواجب… أن تصل بلادنا،  وأن تحتل جيوشها (الكرام) ديارنا»!

نكتفي بهذا القدر من الاعترافات؛ حتي لا يطول المقال، والله المستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد